الأمم المتحدة وأسباب خضوعها للحركة الصهيونية .. عرفات حجازى
Sep 08,2019 00:00 by tanwer

هناك ظاهرة مثيرة للحيرة والعجب بل وللغضب أيضـاً وهى أسباب خضوع الأمم المتحدة للنفوذ الصهيونى وأسباب رفض إسرائيل كافة القرارات الدولية وما يزال العالم يذكر حقيقتين عجيبتين الأولى هي أن الدولة الوحيدة فى تاريخ المؤسسات الدولية التى نشأت بقرار من الأمم المتحدة وليس بقرار الواقع التاريخى والحق والعدالة هى إسرائيل

والحقيقة الثانية هى أن الدولة الوحيدة فى العالم التى تمتعت بأكبر قدر من قرارات الفيتو لتعطيل الإجراءات الدولية التى صدرت بحقها هى الدولة العبرية وعندما نتحدث عن إنصياع الأمم المتحدة لإرادة اليهود وعندما نعلن دهشتنا لرفض إسرائيل كل القرارات الدولية علينا أن نعرف حقيقة إسرائيل بل وحقيقة الأمم المتحدة التى أقيمت فى الأساس زمن عصبة الأمم المتحدة من أجل أن تكون معينـاً لليهود لسلب وسرقة الحقوق العربية وبشكل خاص حقوق الشعب الفلسطينى ومن هنا لا بد أن ننتبه للأسطورة التى يحاولون الترويج لها وهى أنه على كل دولة فى العالم محاولة الحصول على موافقة الرأى العام العالمى وعدم إغضابه لأن هذه أمنية لا يمكن بلوغها إلا فى حالة واحدة وهى الاستسلام والخضوع والخنوع لإسرائيل والمصالح الاستعمارية للدول الكبرى والقضية الفلسطينية بدأ طرحها عربيـاً وإسلاميـاً وعالميـاً عندما تأسست عصبة الأمم المتحدة وإتخذت بتاريخ 6 من يوليو 1921م قراراً عرف فيما بعد بصك الانتداب على فلسطين وهو الصك الذى أعطى الولاية الدولية للحكومة البريطانية بإقامة وطن قومى لليهود بقلب الوطن العربى مع إعطائه كافة الصلاحيات لارتكاب كافة الجرائم الخلقية والإنسانية والحقوقية من أجل إيجاد هذا الوطن اليهودى فى الأرض الفلسطينية العربية الإسلامية وأخذت الحكومة البريطانية شرعية حكمها لأرض فلسطين من وقائع وبنود صك الانتداب الذى أصدرته عصبة الأمم وهذا على الأقل ما سجله المؤرخون ولكن بقى العالم يجهل كيف صدر صك الانتداب بل وبقى العالم يجهل أيضـاً كيف أصدرته عصبة الأمم التى فرضت صك العبودية على عرب فلسطين .

ويجدر بنا ونحن نكشف أعظم فضيحة دولية بالتاريخ المعاصر تسندها الوقائع التى بقيت حبيسة الخزائن الحديدية أن هذا الصك صدر بقرار يهودى لأنه صدر إستناداً لوعد بلفور الذى كتب نصوصه الزعيمان اليهوديان روتشيلد ووايزمان وإن هذا الصك الذى يقع فى 28 مادة ضمن 8 صفحات فولسكاب كان بمجمله يتحدث عن ضرورة إقامة الوطن القومى لليهود على أرض فلسطين وفى هذا الصك ورد فى كل مادة من مواده الثمانى والعشرين كلمة اليهود الذين كانت نسبتهم فى ذلك الحين إلى نسبة السكان العرب الأصليين لا تزيد على خمسة بالمائة بينما لم ترد كلمة واحدة فى هذا الصك عن العرب من مسلمين ونصارى بل كان هذا الصك يكتفى بالإشارة إلى أصحاب البلاد الحقيقيين بعبارة الطوائف الأخرى مما شكل فضيحة دولية على إنحياز عصبة الأمم إلى الحركة الصهيونية بل ما أظهر هذه المؤسسة الدولية وكأنها صنيعة جاءت بها الحركة الصهيونية لترتكب جريمة زرع شعب غريب فى وطن غريب ففى السادس من يوليو عام 1921م أصدرت عصبة الأمم صك الانتداب على فلسطين وجرى التصديق عليه بتاريخ 24 يوليو 1922م ووضع موضع التنفيذ بتاريخ 24 سبتمبر 1922م وقد جاء في ديباجة الصك أن دول الحلفاء الكبرى قد أقرت ما جاء فى تصريح بلفور وزير خارجية صاحب الجلالة واعتبرت نفسها مسؤولة عن تنفيذ مضمونه لمصلحة إنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين وبعد أن إعترفت عصبة الأمم بأن لليهود حقوقـاً مكتسبة فى فلسطين فقد اشترطت على الدولة المنتدبة وهى حكومة جلالة ملك بريطانيا أن تكون مسؤولة عن جعل البلاد فى أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي لليهود وقد جاءت كل مواد صك الانتداب على مثل هذه الشاكلة تؤكد أن الحقوق في المنتديات الدولية لا يعيرها أحد التفاتة لأن المصالح هى التى تحدد العلاقات الدولية تمامـاً كما تحدد العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وكل من إطلع على البنود الثمانية والعشرين فى صك الانتداب لم يتمالك نفسه من التساؤل

 

ولكن كيف يوضع مثل هذا الصك ، بل من هو الذي وضع هذا الصك ؟

 

وتصحيحـاً للأحداث التاريخية التى سجلها المؤرخون بدون دقة أو عن جهل نسجل فيما يلى القصة الحقيقية لصك الانتداب فقد إعترف إسرائيل زانجويل الزعيم الصهيونى المعروف وهو من رفاق هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية فى معرض حديثه عن صك الانتداب بأن عصبة الأمم من بدايتها كانت إيحاء يهوديـاً وجهداً وعملاً يهوديـاً صرفـاً

أما لوسيان وولف مندوب الجمعيات اليهودية الذى حضر إجتماعات مجلس عصبة الأمم فى جنيف عند إقرار صك الانتداب فقال :

وأن هذه العصبة تتفق قراراتها مع أنبل التقاليد اليهودية وأقدسها وإن من واجب اليهود المقدس أن يؤيدوا العصبة بجميع الوسائل الممكنة .

أما زعيم الصهيونية المعروف الدكتور حاييم وايزمان فقد سجل فى مذكراته أن اليهودى الأمريكى بنيامين كوهين كان يقوم مع سكرتير اللورد كيرزون وزير خارجية بريطانيا فى ذلك الحين بوضع نصوص صك الانتداب على فلسطين .

أما لجنة التحقيق الإنجليزية فقد سجلت فى الكتاب الذى أصدرته عام 1937م بأن الصهيونى الأمريكى فيلكس فرانكفورتر هو من بين المشاركين الرئيسيين فى وضع الصيغة النهائية لصك الانتداب على فلسطين !

وعندما نتساءل كيف يقوم ممثلو دول العالم بإغفال حقوق الشعب الفلسطينى ونحن نطالع نصوص صك الانتداب الذى خلا من كلمة واحدة يرد فيها أى ذكر لحقوق أصحاب البلاد الحقيقيين فإننا نلاحظ أن أصحاب النفوذ فى ذلك الحين كانوا من اليهود فمثلاً كان هاسى اليهودي وزيراً لخارجية ألمانيا والصهيونى شيغر كان وزيراً لماليتها والصهيونى بروس كان وزيراً لداخليتها أما بروسيا فقد كان جميع وزرائها من اليهود بالإضافة إلى كورت إستر اليهودى الذى كان حاكمـاً لبلغاريا والصهيونى بيلا كوهين الذي كان حاكمـاً لهنغاريا كما كان معظم المتسلطين على الحكم فى النمسا من اليهود هذا بالإضافة إلى الوفد الألمانى لمؤتمر الصلح الذى كان مؤلفـاً من الصهيونيين أوسكار أوبتهيز و ماركس واربورج

هذه هى قصة صك الانتداب وقصة عصبة الأمم التى أصدرته والتى تعتبر الأب الروحى لهيئة الأمم المتحدة التى إهتمت مؤخراً بانخفاض منسوب مياه نهر الوزانى بسوريا أكثر مما إهتمت بقصف الأطفال الفلسطينيين بالصواريخ الإسرائيلية وملاحقتهم بمقاتلات إف- 16 .

وهكذا يمكن أن نقول إن العرب لم يفعلوا شيئـاً وهم يخشون مخالفة المعايير التى وضعها اليهود وأهمها اعتبار مقاومة الظلم نوعـاً من أنواع الإرهاب وأن رفض الاستسلام للاحتلال والاغتصاب نوع من أنواع معاداة الرأى العام وما عرفوا أن الإرهاب صناعة صهيونية جرى إقرارها فى العديد من محافلهم الإجرامية تمامـاً كما أن خرافة الرأى العام هى صناعة يهودية أيضـاً ولا يمكن أن تتماشى إلا مع تحقيق الأطماع الصهيونية العدوانية .

ولكن هل تبقى هذه المعايير قائمة ونحن ننصاع للشرعية الدولية التى هى فى الأساس صناعة اليهود ؟

وهل نبقى أسرى للوهم الذى صنعه اليهود بأنفسهم وهو احترام الرأى العام العالمى والتسول من أجل الحصول على مرضاته ولو كان ذلك بالتفريط بالحقوق الدينية والوطنية بالرغم من أن القواعد الشرعية من دينية وأخلاقية وقانونية لا تبيح التفريط أو التهاون أو حتى مجرد السكوت عن ضياع حق للإنسان أو التفريط بشبر من أرض الوطن ؟

كل الدلائل تؤكد أن هناك جيلاً يطلع اليوم من خلال الانتفاضة المباركة على العالم ليؤكد أن الأمور سيأتى يوم وتسير فى مجراها الطبيعى بعد التأكيد أن خرافة الرأى العام التى صاغتها الحركة الصهيونية لن تكون إلا وفق حياته الوطنية والدينية .