«إسراء غريب»، تضعنا أمام المرآة ... ريما كتانة نزال
Sep 01,2019 00:00 by tanwer

لم تكن وفاة «إسراء غريب» نتيجة قصف الاحتلال لبيتها، أو قضت نحبها في الأسر. قصة «وفاة» إسراء قصة موت مُعلن على الملأ. بدأت رحلة العذاب في الحادي عشر من آب وتُوفيت في الثاني والعشرين من آب الماضي ودُفنت عصر يوم الثالث والعشرين منه. في السياق يمكن لمس الغموض والتناقضات المحيطة بالوفاة، كما يُلْحَظ عدم تحفظ جهات الاختصاص على المشتبه بهم، بينما ناشدت جهات اختصاص أخرى المواطنين والمواطنات عدم تناول القضية حتى الانتهاء من التحقيق وجمع المعلومات والبيانات.. حفاظاً على السلم المجتمعي.. عن أي سلم مجتمعي نتحدث بعد وفاة الصبية متأثرة بالضرب الشديد؟!

سنحترم كمواطنين ومواطنات القرار إلى حين، سنعطيه فرصة لإيصال «إسراء» إلى العدالة التي تستحق، مع قناعة راسخة أن الحقيقة واضحة بينما متابعة الواقعة غير واضحة الأسباب. المؤشرات المادية تشير دون أدنى التباس إلى أن «الوفاة» نتجت عن الضرب والتعذيب، الفتاة تعمل بجد واجتهاد وتترأس أسرتها بالإنفاق؛ ومقبلة على الدخول إلى الحياة الزوجية وتأسيس أسرة. وحتى لو سجّل التقرير الطبي حدوث الوفاة بسبب «الجلطة»، التي يمكن أن تكون بسبب الضرب والتعذيب، فمجرد الاستماع إلى تسجيلات وشهادات من جاوروا غرفة الضحية في المستشفى أو زائريهم، سيظهر أثر ودور العنف الجسدي الممارس بإفراط وحشيّ في الموت.

وفاة «إسراء» تثير أسئلة ممتدة على منحنى قوس، يبدأ بحق الحصول على المعلومة من الجهات الرسمية وغياب قانون ينظمها، إلى القوانين والتشريعات الحمائية الضرورية التي طال انتظارها مع القائمين على وضعها وتنفيذها، إلى نواقص وفراغ الأنظمة المختصة من ضمان أمن وحماية مقدمي الخدمات وتمكينهم من توثيق الوقائع والحقائق دون خوف من ردود فعل عشائرية وغيرها، حيث دوائر الخوف في المجتمع مرعبة، وهو ما يفسر الصمت عن استمرار الضرب والتنكيل في المستشفى رغم عدم تبريره إنسانياً ومهنياً. أين حَلف اليمين!

سؤال قانون حماية الأسرة. منذ عام 2007 تم وضع مسودات عديدة لم تجد حظها في رؤية الفضاء، تباطؤ ومماطلة قصدية لإبقاء علاقات النفوذ في المجتمع على حالها لضمان عدم تغيير الأدوار الاجتماعية واستمرار السيطرة ونظام الملكية بدعوى الخصوصية الثقافية. وفي قراءة أخرى للتباطؤ، نتوقف أمام نزاع الملفات بين المؤسسات الرسمية وتدافعها على سبق واحتكار الانجاز، وعلى التناقض والخلاف على فحوى القانون ومضامينه، الذي اتجه نحو القيام ببعض أدوار قانون العقوبات وهو أمر منطقي، بسبب الفراغ من جهة وتقادم الساري المفعول وصعوبة اقرار المأمول.

يتضح يومياً أن العنف في المجتمع لم يعد حوادث فردية منفصلة عن بعضها البعض، بل نتيجة مباشرة للمنظومة الثقافية والسياسية والاقتصادية التي تنُتج العنف الممنهج ضد النساء وتكرّسه في القوانين والعادات والتقاليد والتربية، وعدم التعامل مع الموضوع برمته كأولوية في القانون وفي رسم السياسات العامة.

بالطريقة والمنوال الذي يجري بموجبها العمل على القوانين؛ أستنتج أن العدالة للنساء لن تتحقق في أي يوم من الأيام. ففي إحصائية متعجلة للجرائم التي تتم على خلفية ما يُسمى «شرف» العائلة، دون دمجها بحوادث انتحار النساء التي تحوم حوله الشبهات أو الموت الغامض، سنجد أنه تم توثيق خمس حوادث قتل عام 2005 وثمانية في عام 2009 وستٍ وعشرين حالة في عام 2013، وتسعٍ وعشرين في عام 2018، بينما وصل العدد عام 2019 حتى تاريخه إلى ثماني عشرة حالة؛ منها اربع عشرة في الضفة الغربية.. ألا تدق الأرقام أجراس الانذار لمن يصيخ السمع من المسؤولين بينما القانون رهن الغرف المغلقة..!

السؤال الثاني حول الفكر الذكوري الذي يجتهد الرسميون في ترسيخه بالخطاب، جعل ضرب الزوج لزوجته أمراً طبيعياً، جعل تزويج الصغيرات أمراً شرعياً ومألوفاً بالقانون، بينما يغضون الطرف عن منع حصول المرأة على إرثها الشرعي الذي جاء في مورد النص. العنف ضد النساء إلى حدّ القتل، يعكس التمييز التاريخي الممارس تجاه المرأة في قوانين تُكرّس الاستلاب والتبعية والدونية، وهذا يفسر حكاية القوانين وعدم تطبيق اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة واتفاقية القضاء على العنف. 

قضية «إسراء غريب» تحولت إلى قضية رأي عام، تملي على أصحاب المسؤولية والواجب حزمة من المسؤوليات، التحقيق الدقيق والشامل بمشاركة المؤسسات الحقوقية لوضع النتائج أمام الرأي العام المتأثر بالقضية، وأصبح لدى أغلبية المجتمع رأي شخصي تجاهها، لأنها تمس وتهدد أمن المجتمع وتمس شريحة النساء الواسعة.

إسراء من قبرها تتهم وتسائل وترفع يدها المكسورة في وجه القتلة، وستتهم وتسائل من سيعيق حصولها على حقها.