المناضل ماهر صالح يروي يوميات وحكايات الامل مع سرطان الثدي والكبد والرئة والعظام لينتصر!!!؟؟
Oct 11,2017 00:00 by tanwer

نتمنى لزميلنا ماهر الشفاء العاجل وهو الذي يعاني من 4 انواع من مرض السرطان .. يدعو لتأسيس اول جمعية لمقاومة السرطان بنابلس، ولازال على راس عمله في شركة الكهرباء بنابلس، ويقاوم مع لجان العمل التطوعي في المنتدى التنويري .. ننحني احتراما لروحه وعزيمته العالية في مقاومة مرضه العضال، ولعزيمته التي تمدنا بدروس الصبر والتحدي امام نوائب الدهر كما  استحال فراش المرض لمِرجَلِ إبداع  وموقدِ شعر عند المتنبي :

يَقُــولُ لِــيَ الطَبِيـبُ أكـلتَ شَـيئا

وَداؤُكَ فـــي شَـــرابِكَ والطعــامِ

فيستحيل المرض عند زميلنا ماهر صالح الى موقد ابداع روائي حول تجربته واحلامه وعالمه الافتراضي ... اسرة التنوير

دعوة الى مطعمي الافتراضي

عندما اخد جلسة العلاج الكيماوي ، يصيبني إرهاق شديد ، وتحولات عجيبة في براعم التذوق في لساني ، حيث لا أجد للطعام طعماً أحياناً ، وأحياناً أخرى أجده متنكراً ، فالحلو يضحى مالحاً ، والمالح يصبح مراً ، وأنا بين هذا وذاك أبحث عن الحل الصحيح .

غني عن الذكر أن ذاكرتي وذهني كانا يعملان بفوضى بسبب وطأة الكيماوي ، فإما بطئاً ، أو تشويشاً أو أي شيء لا يمت بصلة إلى الذهن الذي كنت أعهده فيّ قبل المرض ..

كل الملابسات كانت محبطة ، ولكني وجدت لذلك مخرجاً .

وهي اني سوف اعمل مطعما خاصا بي بالتدريج ، ابدا بكراسي بسيطة وأثاث متواضع ، بل ووجبات محدودة .. ادور لاخدم زبائني المتطلبين واحاول ألا اخلط بين الطلبات وإلا ساتعرض لغضبهم وخروجهم من المطعم وبالتالي خسارتي .

كان علي أن احقق هدفاً يومياً لاحرز المزيد من النقود التي تمكنني من شراء أفران جديدة أسرع ، وتقديم وجبات أكثر تنوعاً ، وتغيير الأثاث بآخر أكثر فخامة ليجتذب الزبائن .

كنت أبدأ حالما عندما اجلس في سريري بعد جلسة الكيماوي ، وقد أستغرق في التفكير بها لمدة ساعتين متواصلتين دون أن أشعر بنفسي ، ثم أختم المرحلة بحلم جميل انا فقط اعرف مكنوناته بعد تناولي للكيماوي .

كنت لا أتمكن من فعل أي شيء مفيد في تلك الأيام شديدة الوطأة ، أتكلم قليلاً وآكل قليلاً وأتحرك قليلاً . حاولت أن أراجع محفوظاتي الداكرة ، فكان ذهني لا يستقيم لي ، وكانت ذاكرتي تضحك من سذاجتي . فلما اكتشفت حلمي ، أحسست أن هناك آفاقاً واسعة لا تزال متاحة .

كنت اسرح بتركيز ، أخسر أحياناً فأعيد المرحلة ، وأفوز أحياناً فأقوم بترقية مطعمي . كنت أفرح بكل قطعة جديدة أشتريها وكأني حزتها بالفعل . كنت أنتشي بسماع صوت البطاطس وهو يُقلى ، والستيك وهو يُشوى وأنا المحروم من مذاق الطعام اللذيذ .

أصوات ارتطام الملاعق بالصحون والكؤوس بعضها ببعض كان يأسرني وينقلني إلى جو حميمي ساحر ، أتناول فيه طعاماً واضح طعمه ، غير متنكر ، مع رفقة حبيبة في مطعم خافت الأضواء ، لا تسمع فيه إلا همسات المرتادين ، وأصوات ارتطام ملاعقهم بصحونهم وكؤوسهم .. نفس الجو الذي احلم فيه .

ختمت الحلم مرات ومرات ، بعدد جلسات الكيماوي ، التي فتكت بجسدي ، وكلما وجدت جزءاً جديداً الحلم سارعت بشرائه. كنت احلم ، وأنا أشعر بنوع من السخافة ، ولكني لم أكن أستطيع أن أقاوم .

وبعد تفكير عميق عرفت سبب هذا الانجذاب للحلم . كان الإنجاز الوحيد الذي كنت أستطيع تأديته في تلك الفترة . كان يطلق خيالي لبناء مطعمي الشخصي .. كان يربطني بأمل .. كان يربطني بالحياة في وقت كنت أشعر فيه أن جميع السبل مسدودة أمامي ..

كل فرد منا – ليس مريض السرطان فقط – بحاجة إلى إنجاز يشعره بأهميته ووجوده ، ولتحلو حياته ويصبح لها معنى .

لا يشترط أن تكون الإنجازات كبيرة وعظيمة .. قد تكون مراجعة جزء من القرآن ، أو حياكة قميص جديد ، أو الانتهاء من رسم لوحة فنية أو كتابة شطر من كتاب لطيف..

يكفي أنه يشعر بالسعادة بعد تحقيقها .. يكفي أنه يشعر بالإنجاز ..

كنت أنتظر انتهاء علاجي الإشعاعي بفارغ الصبر لأتوجه إلى عملي الي غبت عنه وعن زملائي شهرين. فلما عدت صرت أرتشف لذة العمل ، واسترجاع المعلومات ، وتلخيص المسائل المهمة ، ثم أستمتع بطعم الشوق للعمل والحياة في نهاية المطاف .

والآن ، يمكنني القول بأنني أنهيت – رسمياً – حلمي ،.. اشعر كيف مرت السنون ، وصار الماضي الأليم ذكريات سعيدة ؟

بهذه المناسبة يسرني أن ادعوكم جميعا إلى مطعمي الافتراضي لتناول وجبة مجانية فاخرة مكونة من الامل ، والتشبث بالحياة بقوة ، والحلم الجميل ، والصبر والتحدي لصعوبات الحياة

محبتي واحترامي ماهر صالح قاهر السرطان وصانع الامل .