هذه العبارة لم أسمعها من فيلم أو مسلسل تلفزيوني أو في مشاجرة، بل سمعتها من طفل لم يتجاوز عمره العشرة أعوام مساء يوم أمس الثلاثاء عندما كنت مع زوجتي وطفلتي الصغيرة في حديقة باب توما، نعم "بضربها وبكسر رأسها كمان" هكذا صرخ الطفل بوجه ذلك الرجل الذي منعه من ضرب شقيقته، فبعد أن استطاع ذلك الطفل أن يضرب شقيقته التي تكبره بحوالي سنتين " لبيط " على بطنها وكأنه يشوط كرة قدم، ثم أمسك بشعرها محاولاً جرها، إلا أن ذلك الرجل الواقف بقربهما أمسك بالطفل قائلاً له لماذا تضربها ؟ فرد الطفل بصوت عال : " شو دخلك هاي أختي" وحاول مرة ثانية ضرب شقيقته التي هربت بعيداً وهي مذعورة خائفة من شقيقها الأصغر منها، إلا أن الرجل منعه من ذلك وطلب منه أن يدله على أبوه أو أمه، فكرر الطفل قول: "هاي أختي أنا بضربها وبكسر راسها كمان" فما كان من الرجل إلا أن صفع الطفل على خده، وهنا حضر حارس الحديقة واستفسر عن الأمر فأخبره الرجل بما جرى ، فأمسك الحارس بالطفل وطلب منه عدم ضرب أخته ثانية، فرد الطفل بعصبية : " شو دخلكم هاي أختي بضربها وبكسر راسها كمان، عندها قام الحارس بصفع الطفل أيضاً على خده، فهرب الطفل إلى حيث يوجد أهله.
هذا المشهد استمر أمامي لحوالي عشرة دقائق تقريباً، وأنا غير مصدق ما رأته عيناي وما سمعته أذناي، عدتُ إلى البيت والمشهد لا يفارق ذاكرتي، وتساءلت في نفسي، ترى ماذا سيكون مصير تلك الطفلة المسكينة عندما تعود إلى بيتها؟ ومن سيحميها من انتقام شقيقها الطفل الذي تلقى بسببها ضربتي كف وبهدلة أمام جميع من كان يلعب عند المراجيح في الحديقة؟ بالتأكيد لن تجد من يحميها لا أبوها ولا حتى أمها اللذين غرسا في نفس هذا الطفل انه الأفضل باعتباره الذكر وأخته الأدنى باعتبارها أنثى، وأنه يحق له أن يفعل ما يشاء، وعلى أخته سواء كانت أصغر منه أو أكبر منه أن تنصاع لأوامره باعتباره ذكراً وأي ذكر.
هذا المشهد يؤكد بلا أدنى شك أن المرأة مازالت تتعرض للاضطهاد منذ ولادتها وحتى مماتها، فقد درجت "عادة" اضطهاد المرأة في مجتمعنا، واستمرّت وتنامت عبر العصور، إلى يومنا هذا، فمجتمعاتنا العربية والإسلامية هي مجتمعات ذكورية مازالت تربي أطفالها الذكور ليصبحوا في المستقبل رجالاً أسياداً ومطاعين، لهم كل الحقوق والواجبات والامتيازات، حتى إن المرأة لا زالت إلى يومنا هذا عندما تتزوج وتنجب أطفالاً ذكوراً وإناث، فإنها تربي أبنها الذكر ليكون قوياً ومتحكماً، بينما تربي شقيقته الأنثى على طاعة شقيقها وعدم عصيان أوامره، بحجة أن الفتاة المطيعة هي المطلوبة والمرغوبة في المجتمع. فالولد الذكر مازال مفضلاً عند الأم في غالبية المجتمعات العربية والإسلامية على الطفل الأنثى، فله كل الامتيازات، حتى إذا أخطأ لا يعاقب مثلما تعاقب إذا أخطأت أخته الأنثى فهي تعاقب بشدة وقسوة، والأم عندما تفعل ذلك، إنما تزرع الحقد والتفرقة بين الأخ وأخته منذ الصغر حتى يكبر معهما. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يحوز المسلسل السوري " باب الحارة" على نسبة غير مسبوقة من المشاهدين في الدول العربية، والذي صور المرأة خانعة ضعيفة حلمها لا يتعدى الزواج من قبضاي الحارة.
وإذا كان أمر تعرض المرأة للعنف من قبل الرجال في مجتمعاتنا المتخلفة كثير الحدوث، وإن كان مستهجناً ومرفوضاً من قبل البعض وخصوصاً من قبل الجمعيات والمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة، إلا أن هذا الأمر يبقى مألوفاً من الغالبية العظمى من "رجال مجتمعاتنا الأشاوس". وبالرغم من كلّ الدّراسات والأبحاث والنّظريّات والقوانين والأنظمة وشعارات المساواة والعدالة حقوق الإنسان .. التي تدعو إلى رفع الظلم عن الأنثى واحترامها كإنسان مثلها في ذلك مثل الرجل، فمازال "رجالنا الأشاوس" يعلنون بشكل مباشر وغير مباشر عن تمسكهم بتلك العادات والتقاليد التي تعطيهم التفوق والقوامة على النساء ويربون أولادهم على هذا الأساس.
وما يؤسف له أن النساء أنفسهن يقفن موقف الداعم للرجل في استعباده واستغلاله للمرأة، فكثير من النسوة مازلن يؤمنّ أن ليس لهنّ حق في إبداء رأيهن بمن سيقترنّ به، ومازال كثير منهنّ يؤمن بأنهنّ خلقن لخدمة الرجل سواء كان أخاً أم أباً، ولاحقاً لتكون مجرد خادمة، ووعاء لتلبية رغبات الزوج وشهواته، وأما إذا صادفت تلك المرأة امرأة أخرى تجادل الرجال وتدافع عن نفسها بقوة وتلبس بشكل مختلف.. فتقول عنها إنها امرأة فاجرة وفاسقة ..بينما هي لا تستطيع الخروج من دائرة الرضا بالخنوع الذي تربت ونشأت عليه في بيت أهلها ثم في بيت زوجها، وهي لا تدرك أن حالها كحال الأسير الذي يجهل أنه أسير..!
وتبقى الدولة بمؤسساتها وقوانينها تتحمل المسؤولية الأكبر في استمرار هذا الظلم الواقع على النساء من خلال مراعاتها لتلك العادات والموروثات القديمة وعجزها عن مواكبة التطّور والتّغيّر الكبير الحاصل في منظومات القيم والمعايير الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية