الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

فيروز ...بقلم الكاتب فاروق وادي

يوليو 30,2010 بقلم

image

المرّة الأولى التي تناهى فيها إلى مسامعي اسم فيروز، كانت عندما تردّد في مدينتنا أنها حلّت علينا بصوتها الآسر. جاءت من جبلها البعيد.. هبطت بمخملها، لتسير في شوارع القدس العتيقة، وتبعثُ تراتيلها في طريق الآلام.
يومها، قالت أمي بأسى لم ألمسه في صوتها من قبل: ليتنا ذهبنا وشاهدناها هناك وسمعناها ترتِّل!
عرفت آنذاك، أن فيروز هي المرأة التي لم أر الوالدة إلاّ باكية وهي تصغي لأغنيتها في المذياع "زوروني كلّ سنة مرّة". فالأغنية الحزينة كانت تُعبِّر عن أشواقها لأخي الذي سافر مُهرّباً إلى الكويت ولم يكن يصلنا منه إلاّ رسائل متباعدة، في زمن لم يكن فيه الهاتف قد بلغ بيتاً في حارتنا، وكانت أوجاع البعاد في تلك الأيام تطول أعواماً.. وأعوام.
وعندما عاد أخي من الكويت في زيارته الأولى، جلب لنا معه "غرامافوناً" وعدداً من الاسطوانات، عثرت من بينها على كنزٍ من الفيروز.
كانت أغنية "إلى راعية" (سوق القطيع إلى المراعي..) هي ورطة البداية لفتى في العاشرة أصابه مسّ صوتها وأوقعه في شراكه، ليحمله إلى عالم سحري ما زال مُعتقلاً فيه منذ الارتباكات الأولى وحتّى اشتعال الرأس بالبياض.
كان الصوت المنبعث من تلك المستديرة السوداء، يحمل الفتى بهدأته وحنوِّه إلى مدى وسيع موشوم بالورد وندى الربيع. ومنذ ذلك الوقت، بات وهو ينصت إليها، يصغي إلى صوت عشب ينمو في بريّة بلا حدود، فتسترسل الأرض في خضرتها.. وتتبرّج السموات بأقواس قزح.
الصورة التي تمرّ عبر الأذن لترسمها المُخيِّلة، هي الشيء الذي تُحدثه الأغنية الفيروزية في مستمعها. وربما عملت تلك الأغنية، على تشكيل لبنان في وعينا قبل أن نلتقيه، جبلاً وبحراً وبشراً وجَمالاً لا يطاله الجمال. وكم من مرة وقفنا فيها أمام صمت الجبال هناك، بعد زمن من سماع أغنيتها، لينبعث من الصمت المُسجّى صوت فيروز. كم من مرّة رأينا مشهداً في ضيعة قصيّة تنأى في تفاصيل الجبال، أو مقهى على مفرق طريق، أو غيمة شاردة.. فقلنا لأنفسنا أننا رأينا الشيء من قبل في أغنية لفيروز. وكم من مرّة تأملنا ثلجاً نازلاً يُجرِّح أطراف الدنيا، فقلنا إنه هو نفسه.. ثلج فيروز؟!
والصوت، الذي منحنا متعة التخييل في زمن مضى، فبنينا منه لبنان كما نشاء، أو تشاء تردُّداته الطالعة من حنجرة متفرِّدة، بات يشدنا الآن - بعد عمر من العشق لأغنيات شكّلتنا وحلّقت بذائقتنا - لنوعٍ من الحنين الغامض إلى ما كان فينا.
يعيدنا الصوت بمستحيله، إلى توقٍ لشيء ندريه ولا ندريه، شيء ضاع منّا في عصف الزمن؛ إلى أمكنة عرفناها حقيقة أو مررنا بها في جنوح خيالاتنا المُفرطة. تستيقظ الأمكنة الغابرة من رقادها ويتنفس الزمان فيها وفينا.
أغنية لفيروز ترجعنا إلى حيِّنا، وثانية إلى حالات من عشقٍ عتيق. أخرى تشدنا إلى رفّة فراشة عابرة في ليالي الشمال الحزينة. وثالثة تستعيد رحلة جبليّة في صيف بعيد نراه قريباً، لمحنا فيه هناك، في "سهَيْلة"، رفّاً من الحساسين، أو طائراً في "الوروار" ينبئ بالأخبار، أو حَجَلاً على شجرة مكللة بالبياض في قمم "صنّين". أو ربما تتطاول الذاكرة بعض الشيء فتسترجع قبلة أولى مُختلسة من "جارة الوادي" هناك.. عند حافة الماء الثرثار.
لأسباب عديدة، بعضها يكمن في حنجرتها وبعضها الآخر في خيالات عاشق لصوتها وتصوراته المتطرفة، كنتُ أعتقد أن فيروز هي امرأة من أثير. وربما لو نفّذت أمي رغبتها البعيدة وأخذتني معها إلى طريق الآلام، ورأيت فيروز الصبيّة في القدس ترتِّل للمسيح، لتَبَدّد ذلك الوهم منذ زمن بعيد، قبل أن يصلني صوتها المضغوط في تلك المستديرة السوداء، التي شاء سوء الطالع أن أفقدها هناك.. في بيروت!
لكن شيئاً غريباً حدث لي بعد أن شاهدتُ فيروز فوق خشبة "البيكاديللي"، قبل وقتٍ قصيرٍ من اندلاع حرب مجنونة أصبح فيها صوتها، كما عبّر محمود درويش في قصيدة "بيروت": موزعاً بين طائفتين بالتساوي!
في ذلك اليوم البعيد من أيام ما قبل الحرب، نفضت فيروز عنها، في خيالاتي النقيّة، كلّ ما يمتّ إلى عالم الأساطير الذي وضعتُها فيه. كانت الأسطورة تشاكس صورتها، تخلع عنها أرديتها لتخرج من أسطورتها، فتتجلّى بشراً سوياً. تقف أمامي بلا أوهام، امرأة خفيفة الظل، تنتظر من يُصلح خللاً أصاب سيّارتها المتوقفة في ساحة "ميس الريم".
المرأة التي تشبّثت من قبل بيقين وهمها أن قطاراً سوف يجيء، أخرجتني من وهمي. لكن محطة الوهم تنتهي إلى حقيقة، ويصل القطار. ووهمي أيضاً ينتهي إلى حقيقة.. وتقع نظرتي على امرأة اسمها فيروز.
لقد بدا لي، آنذاك، أن الأثير كان يتحوّل أمامي إلى حضور جسدي جارح في ماديته. والصوت الذي طالما ظلّ يتضوّع في الأفق ويطلق شذاه الغريب، بدا خارج الأغنيات، في الحوار المسرحي المباشر، صادماً إلى حدّ بعيد، ولا يُشبه صوت فيروز.
فيروز، التي إذا غنّت ارتعش القمر وانحني إجلالاً، بدت لي آنذاك امرأة تعبث بصورتها، فلا تفعل سوى أنها تعاندني لتكسر أسطورتها.
ربما لذلك، وعلى مدى السنوات التي عشتها بعد ذلك في بيروت، كنت أتجنب الاقتراب من "البيكاديلليً" التي تعرض مسرحيّة جديدة لفيروز، حتّى لا يصيبني ضعف مهيّأ، فأكرر رؤيتها على الخشبة، وأفقدها مُجدداً، بعد أن تعبتُ في إعادتها، في وعيي على الأقل، إلى ما كانت عليه.. كما تجلّت للفتى في ذلك اليوم الذي جلب لنا أخي اسطواناتها مع "الغرامافون"، فبدت لابن العاشرة، سليلة كائنات قادمة من أرض الأساطير، أو نوعاً من الطيور نادرة الوجود، أو صوتَ صلاةٍ تتردد في بريّة هذا الكون الفسيح.

 

عن الايام

66 عدد مرات القراءه