الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

هل من شرعية في ظل احتلال؟ بقلم: منير زكي نسيبة

فبراير 02,2010 بقلم

image

 

 

01-02-2010 - 17:25

 

أمست النقاشات الفلسطينية الداخلية بشأن قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية في الارض المحتلة، و'دستورية' هذا العمل او ذاك مقلقة ومزعجة. ففي الوقت الذي ينهمك فيه السياسيون الفلسطينيون بشرح مواقفهم من 'الشرعية' و'الانتخابات' وتناقل السلطة بين المتنافسين، ويتشبث كل فريق بـ'الخيار الديمقراطي' للشعب الفلسطيني، تنأى عن جدلهم وحججهم حقيقة ان فلسطين تقع تحت سيطرة احتلال عسكري، وانها ليست مستقلة سياسياً او اقتصادياً او حتى قانونياً.

ان الديمقراطية اساسها ان يحكم الشعب نفسه من خلال اختيار ممثلين له، لا يقولون كلمته فحسب، بل يقومون بأعمال تؤثر في حاضره ومستقبله. فمثلاً، اذا اختار الشعب مجلساً تشريعياً او برلماناً، فان لهذا المجلس وظيفة سن التشريعات التي يرتضيها غالبية شعبه، وتسري على كل شعبه. واذا انتخب الشعب رئيساً، فإن لهذا الرئيس السلطة للقيام بمهام قيادية من شأنها تغيير حياة الأفراد بناء على خطة يكون قد عرضها على شعبه قبل اختياره. لا بد ان ندرك ان الديمقراطية لا تكون ذات مغزى الا عند وجود سلطة حقيقية، لها قوة على الارض، ولها ان تؤثر في حياة الاشخاص ذوي الحق السياسي بالتصويت.

كما ان كلمة الدستور تطلق على نظام أساسي لدولة ذات سيادة. فالدستور (او القانون الاساسي) اساس قانوني وتعبير اجتماعي عن قيم دولة معينة لها سلطان على اقليم معين فيه شعب يتمتع بحقوق ويتحمل واجبات. اما في الاراضي الفلسطينية المحتلة، فلا معنى الآن لكلمة 'قانون اساسي' او'ديمقراطية' أو حتى 'شرعية' لسبب بسيط وجلي: الاحتلال!

فوجود هذا الاحتلال ينفي جميع متطلبات الديمقراطية والدستورية وسيادة القانون التي تتشبث الشعوب الحرة بها. فمع وجود الاحتلال العسكري بجيشه ومحاكمه العسكرية، ومع ضمه للقدس، وتحكمه بالطرق وبكل الاراضي الفلسطينية سواء بشكل مباشر او غير مباشر، وسلطانه الذي يعلو على سلطان السلطة الوطنية الفلسطينية، لا يمكننا الحديث عن حقوق سياسية وديمقراطية ودستورية. فمما لا شك فيه ان الكلمة الاخيرة فيما يخص ادارة الارض الفلسطينية المحتلة هي لسلطات الاحتلال.

وقد اثبتت السنوات القليلة الماضية ذلك من غير لبس. ففي عام 2002 دخلت قوات الاحتلال الى كانتونات السلطة الفلسطينية لتخبرنا بأن على الفلسطينيين الا يعتقدوا بأنهم أصبحوا ذوي سيادة على الكانتونات التي يديرونها. وما ان احكمت قبضتها على الاراضي الفلسطينية المحتلة عسكريا، حتى حاصرت اسرائيل رئيس السلطة الراحل ودمرت مقره امام عدسات الكاميرات العالمية. بل لم تكتفِ بذلك، فقد حرمت لسنوات تلت قوات الامن الفلسطينية من حمل السلاح، فأصبح لص محلات الصياغة في رام الله ذو المسدس أقوى من كتيبة شرطة كاملة عزلاء.

وبعد رحيل الرئيس السابق ياسر عرفات ـ رحمه الله ـ تعالت الاصوات الغربية وغيرها مجدداً بضرورة الاحتكام الى القانون الاساسي والديمقراطية واجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، فاستجاب الفلسطينيون لها، مع علمهم انهم لا زالوا تحت احتلال عسكري. وما ان ظهرت النتائج حتى انجلت نية اسرائيل وجزء لا يستهان به من العالم بحصار الشعب اقتصاديا وسياسيا. فقامت قوات الاحتلال باعتقال أربعين نائباً من نواب المجلس التشريعي، وحاكمتهم محاكم عسكرية وأدانتهم بتمثيل تنظيمات معادية في المجلس التشريعي الفلسطيني! نعم، لم يكن لدى اسرائيل أية اتهامات 'أمنية' ضد غالبية هؤلاء النواب كالتخطيط لعمليات تفجيرية أو غيرها، بل اكتفت بإدانتهم بترشحهم وانتخابهم في المجلس التشريعي فقط. وفي نفس الوقت، ضربت اسرائيل بدعم اوروبي وامريكي حصاراً اقتصادياً على الارض المحتلة، فجمدت عائدات الضرائب الفلسطينية، وأوقفت الدول المانحة، التي تعتمد على منحها السلطة الفلسطينية في تسيير شؤونها، جميع مساهماتها المالية. واذا بالسلطة الفلسطينية مجمدة عاجزة، لا تسمن ولا تغني من جوع. لا شك بأن لكل دولة الحق بأن تساهم مالياً بما تشاء، ولكن الامر تعدى ذلك بأن منعت السلطة من جلب اموال من مصادر اخرى ترغب بدعمها.

بالاضافة الى كل هذا، فالسلطة الفلسطينية ليس لها اي اختصاص في جزء كبير من الارض الفلسطينية المحتلة. فالقدس لا تزال تدار بشكل كامل من قبل اسرائيل، ولا زالت تطبق اسرائيل قانونها فيها، وتحتكم الى محاكمها المدنية في اي نزاع يقع فيها، حتى بين فلسطينيي القدس انفسهم. وكل قانون يسنه المجلس التشريعي، لا يسري على القدس باعتبارها تحت السلطة الاسرائيلية الكاملة وموضوعا للمفاوضات النهائية. فما معنى ان يصوت المقدسيون الى برلمان، حتى لو افترضنا ان نوابه لم يسجنوا، لا يملك تغيير شيء في حياتهم؟ كل هذا فضلاً عن ان اغلب ما تبقى من الضفة الغربية لا يزال يقع تحت الادارة الاسرائيلية، وليس للسلطة سلطان عليه. فاذا رغبت اسرائيل بتوسيع مستوطنة، او وضع حاجز او ازالته، او حبس فلسطيني، فلا شيء يلزمها بالعودة الى السلطة الفلسطينية، بل تقوم بذلك رغماً عنها وعن الشعب الفلسطيني، صاحب الحق بالمشاركة في الانتخابات الدستورية الديمقراطية الفلسطينية. والعكس ليس صحيحاً! فان قررت السلطة الفلسطينية المنتخبة ديمقراطياً حفر بئر ماء، او بناء حي سكني جديد او حتى رغب احد كبار مسؤوليها السفر، فانها تحتاج الى موافقة الحاكم العسكري الاسرائيلية. مع كل ما ذكرت، أعتقد ان الاحتكام الى صناديق الاقتراع كان مجدياً عندما كان 'الحكم الذاتي' خطوة الى دولة فلسطينية مستقلة. فيبدو ان الشعب الفلسطيني كان في التسعينيات يتدرب على الديمقراطية معتقدا انه سيحصل على سيادة في بعض فلسطين في عام 1999. اما الآن، فقد اختلطت الاوراق وانقلبت الطاولة، وأمسى الحكم الذاتي جزءاً من ادارة الصراع في فلسطين.

يجب الا يفهم من سطوري هذه انني ادعو الى التفرد في الحكم. الا انني اقول بأنه ليس ثمة حكم بالأساس، وان اولوية الفلسطينيين اليوم هي التحرر، لا الديمقراطية الكاذبة. ان على الفصائل الفلسطينية ان تعجل بالتوافق على نهج التحرير الآن، لا أن تتناحر على ما يزعم بكونه تعبير الشعب عن رأيه، والشرعية الفلسطينية، وغير ذلك من الشعارات عالية الصوت، فارغة المضمون كالطبول. وعلينا ان نتذكر ايضا ان السلطة الوطنية الفلسطينية هي جسم ادارة بعض شؤون الشعب الفلسطيني في بعض الارض المحتلة في مرحلة انتقالية مؤقتة، وليست دولة ولا حتى كياناً تحريرياً. اذن فلننس انتخابات السلطة الآن، ولنلتفت الى ما هو أهم.

ان ممثل الفلسطينيين، حتى الان، هو منظمة التحرير الفلسطينية، وهي التي عليها نقل كلمة الشعب الفلسطيني والتفاوض او المقاومة باسمه. لذا، ان كان لا بد من الديمقراطية الآن، فلنحاول تطبيقها بشكل او بآخر في هذه المنظمة، واصلاحها، وجعلها ممثلة لصوت الشعب الفلسطيني في شتى اماكن تواجده، وبكافة معتقداته الفكرية. اما في السلطة التي تقوم مقام البلديات والمجالس المحلية، فحصر التفكير بالـ'الشرعية' و'الديمقراطية' و'حكم الشعب' عقيم لا محالة.

ان مفهوم السياسة يختلف بتباين الظروف، فحيث انه في الدول المستقلة يتمحور حول التمثيل وخطط التنمية وغيرها من اهداف الشعوب، فانه في فلسطين يتلخص، مع تعقيداته، بكلمة واحدة: التحرر.

 

' باحث قانوني في جامعة وستمنستر في لندن

واستاذ سابق للقانون في جامعة القدس ،فلسطين

297 عدد مرات القراءه