الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

هل تحويل أموال المقاصة منقوصة كسر جديد للسيادة الفلسطينية ام مجرد تنفيذ لتنسيق مسبق؟ .. نادية حرحش

اكتوبر 08,2019 بقلم

image

عند استقالة د. رامي الحمدلله من منصبه، او قرار تغييره، كان الحمدلله قد أعلن رفضه لشروط المنح الامريكية الجديدة، وبداية العام الحالي، والتي اشترطت اقصاء اسر الاسرى والشهداء من دفع الرواتب. طبعا، وبسبب ملل الشعب واستيائه العام من كل ما يمثل السلطة، كان اخراج الحمدلله من معادلة السلطة يشكل عملية الهاء جديدة للشعب، أشهر من التوقعات والتكهنات لرئيس الوزراء القادم، وطبعا، فرصة للتخلص وإخراج مشاكل حكم الحمدلله الى الخارج للتداول. وكما في الانتخابات الإسرائيلية، صار هدفنا الأسمى هو الا يعود نتانياهو للحكومة (التي هي ليست بحكومتنا وشأنها ليس شأننا)، كان خروج الحمدلله هو الإنجاز الأهم، ومن سيلحقه مهما كان لن يكون أسوأ.

وجاء د. محمد شتيه، وبدأ استعراض الحقبة الجديدة. إعلانات بتوقف المواكب ومشي الأخير من عمارة بمجلس الوزراء للأخرى وكأنه العمل العظيم في البساطة – على نقيض سابقه – طبعا صرنا نرى أغاني ودحية كانت تقام لرامي الحمدلله في الافراح، وصرنا متنبهين للكثير من التجاوزات التي لم نسمع عنها من قبل، وتكشف الغبن الأكبر في حكومة الحمدلله عندما ظهرت فضيحة معاشات الوزراء التي تضاعفت ومبالغ بدل الإيجارات التي وصلت الى مئات الالاف من الدولارات للوزير الواحد. في وقت شمر فيه شتيه عن ساعديه وأعلن عن التقشف.

طبعا، لم نر وبعد العديد من الشهور من تلك الأموال في اعادتها الا مبادرة لوزير المالية بإرجاع بعض من المبلغ في مبادرة حسن نية، وكأن الرجل يقوم بصنيع عظيم.

خرج رئيس الوزراء بين الشعب ومشى بالمنارة واحتفل مع أبناء فتح في انتصار انتخابات الشبيبة، ويستطيع المواطن العادي ان يراه في شوارع رام الله من كافيه بعينه وجيم وقد يأتي ليفتتح ما تيسر من مراسم احتفالات، كان اخرها أيام السينما. الوزراء حدث ولا حرج، تفاقم في كل المرافق من الصحة حتى التعليم. وتدوير المناصب هو سيد الموقف، وكأن لسان الحال الرئيس وجموعه لنا " الكلاب تسير والقافلة تنبح." لقد حولونا بالفعل الى كلاب نابحة في مسير قوافلهم التي سلبت هذا الشعب كل ما فيه حتى وجوده.  وقد يكون تصريح اللواء جبريل الرجوب الأخير في دعوة الوزراء لحضور مباراة كرة القدم القادمة بين السعودية وفلسطين، اسوة بوزراء الجزائر الذين حضروا مباراة فلسطين- الجزائر، عندما قال : " ييجوا يحضروا المباراة بدل تصريحاتهم الفاضيه متلهم،" هي المعبر الأكثر صحة عن الحال في هذه الأوضاع.

التقشف والخطة العنقودية للانفكاك الاقتصادي هما معضلات مرحلة شتيه. الرجل الاقتصادي الذي سيحمل الشعب الى بر الأمان.

التقشف مفهوم للشعب، وصل بالرجل الى ان يخير الشعب بين المال والوطن، في جملة شهيرة ستسجل له كانت: " هل تريدون المال ام تريدون الوطن؟"، في سياق لحملات كثيرة قادها على مدار الأشهر السابقة في الترويج للخطة العنقودية للانفكاك الاقتصادي كان اخرها عند تصريحه قضية العجول والبيض.

ونحن الشعب، بطبيعة الحال لا نفهم من الاقتصاد الا ما يأتي منه قوتنا وما نسد منه قروضنا. بقيت حملة الخطة العنقودية للانفكاك الاقتصادي – عن إسرائيل طبعا- هي الدرع الواقي لخلاصنا مع حكومة شتيه، في وقت علت فيه أصوات المقاطعة التي أكد عليها شتيه وشدد. سنتحرر أخيرا من قبض الاحتلال على اقتصادنا.

وفعلا تقشف الشعب في وقت منعت فيه أمريكا المنح المقررة وأوقفت إسرائيل أموال المقاصة ومنعتها تماما ، الا ما تيسر من اموال لا يمكن الاستغناء عن تقديمها للتشغيلات الأمنية في بعضها. وأعلن الرئيس ورئيس وزرائه مرارا وتكرارا ب " الجوع ولا أموال المقاصة منقوصة". وكانت ورشة المنامة الشهيرة، التي تم اتهام كل من شارك بها بالخيانة والخروج عن الصف الوطني، في حملة كانت الأكبر ضد أمريكا ومشاريعها، وكأن الانفكاك الاقتصادي قادم لا محالة.

هناك خطة عنقودية يخطط ويرتب لها في مطبخ السياسة الفلسطينية من خبراء الاقتصاد الأهم والاكبر.

من ناحية كان هناك تشديد نحو المقاطعة لبضائع الاحتلال شكلية بحتة، وبدت غريبة، عندما تم اتلاف الكروت الخاصة بالشركات الإسرائيلية. كيف تركنا كل ما يصول ويجول من بضائع إسرائيلية دخلت حتى الى نخاعنا ونتأزم فجأة من كروت الهواتف الخلوية الإسرائيلية.

لا يهم قال المواطن الشريف الذي يريد وطن. فلتأخذ شركات الاتصال الفلسطينية التابعة لأصحاب اليد العليا بالدولة العتيدة، بالنهاية يرتزق الفلسطيني ، حتى ولو كانوا أصحاب المليارات. يبنون بيوتا وعمارات ويدجنون حساباتهم البنكية في الداخل والخارج. المهم مقاطعة العدو الإسرائيلي.

تفاقمت الأمور، وعلت التصريحات بين رئيس ورئيس وزرائه في جرأة اكبر نحو مناهضة الاحتلال، وصلت الى اعلان الرئيس عن نيته بوقف كافة الاتفاقيات مع إسرائيل. هلل الشعب واحتفل ، ولكن الاليات العسكرية الإسرائيلية صارت تتجول في رام الله وصار جنود الاحتلال يتبولون على مبنى مجلس الوزراء وزادت الاعتقالات والاجتياحات حتى وصلت بالفعل لان تكون يومية ، ولا ترى من الامن الفلسطيني ظهورا الا بعد انتهاء الاجتياح لإعادة المشهد الى ما كان عليه. وتستمر المدن المجتاحة يومها او ليلها وكأن الية الاحتلال العسكرية ليست اكثر من حافلة نفايات تقوم بعملها الاعتيادي.

اخر إيقاف مسلسل بطولات وقف الاتفاقيات كان قبل أيام قليله، عندما أعلنت إسرائيل بكشف شبكة كانت تعتزم القيام بعملية ، بالتعاون مع الجهات الفلسطينية. الحقيقة ان تلك العملية لم يكن لإسرائيل علم بها، لولا هرولة الجهات الفلسطينية " التي أوقفت كافة الاتفاقيات مع الجانب الإسرائيلي" بإعطاء الجانب الإسرائيلي معلومات امنية هامة أدت للقبض على الخلية.

وبينما يستمر أصحاب السيادة المتمثلة برئيس الوزراء والرئيس بإعلان الخطابات المعادية للاحتلال بالعلن، يبدو جليا ان ما يجري بالخفاء مناقض ومناهض تماما.

بدأت الخطة العنقودية بقطف ثمارها عندما اعلن رئيس الوزراء عن قرار توقف استيراد العجول والبيض من إسرائيل، في نفس الفترة كان رئيس الوزراء قد اعلن كذلك انه لم يعد هناك منطقة الف وباء وجيم وان السيادة الفلسطينية ستكون في كافة أراضي الضفة، لتقوم إسرائيل بهدم ما يقرب على مئة وحدة سكنية في منطقة الف. وهي المنطقة التابعة بالمطلق للسيادة الفلسطينية ، ليرد رئيس الوزراء بتوقيف استيراد العجول!

لم يكن من الصعب فهم ان استيراد العجول والبيض يرتبط كذلك بالاستثمار الفلسطيني المتعلق بشخوص بعينهم، حولوا الوطن الى مزرعة كبيرة يتحكمون فيها بكل مرافق الحياة ويبيعون يشترون بالمواطن ليغنوا هم ويزداد المواطن بؤسا وفقرا.

أمور مصيرية تجري، ولا حياة لمن تنادي، تسريب الأراضي من شمال الضفة الى جنوبها افتضح لدرجة صار التفاخر بالعمالة فيه فجور علني. القدس لم يبق منها الا صياح أهلها في نجدة متكررة استنزفها العنف والعمالة والتهويد الذي ينخر المدينة كالسوس، والاسرلة المحكمة على كافة المرافق لتكون هي الواقع الوحيد الممكن ، والمراد ربما مقابل الفساد المستشري بالضفة.

انتهت غزوات الحكومة الجديدة بفضيحة حقيقية عندما اعلن وزير الزراعة بعقوبة من يقطف الزيتون قبل موعد قطفه بتحديد يوم بعينه، ومن ثم يعلن عن نية استيراد الزيتون من "الطرف الاخر" لان ما يزرعونه من زيتون يختلف عن زيتوننا.

هنا بالحقيقة، هز وجدان الشعب الذي يرتبط الزيتون وزيته به كارتباط الوريد بالدم. حياة كاملة نعيشها يوميا وسط استيلاء لأراضي وقطع وسرقة لشجر واعتداءات على مزارعين، ليأتي علينا وزير ليقول لنا اننا نحتاج لاستيراد زيتونهم (المسروق من ارضنا ومن تعب سنوات عمر فلاحينا) لتخليله!

وكان لرئيس الوزراء التبرير الاقبح من ذنب، عندما اعلن ان الاستيراد ليس بجديد وقد بدأ مع الحكومة السابقة.

وهنا، كان الشعور بإغلاق دائرة الدوامة الخانقة لنا قد تم. رئيس وزراء سابق اعطى وزرائه ضعف المعاش الأصلي ( بعد موافقة الرئيس طبعا) وبدل ايجار ، كان سببا في ضعضعة الوضع الاقتصادي الصعب من هدر للأموال العامة ، وقرارات سابقة لنفس الحكومة السابقة لم يقم الوزير الحالي الا بإعلانها.

ليسقط علينا صباح، تعلن فيه حكومة الانفكاك الاقتصادي بقبول أموال المقاصة منقوصة لمستحقات الاسرى والشهداء.

يبقى التساؤل الذي يراوح مكانه في رأسي: هؤلاء وصل بهم الكذب علينا كشعب بتماهي عجيب. لم يعودوا يفرقوا بين ما تقوله السنتهم بالخطابات الجهراء وبين ما يتفقون عليه بالغرف المغلقة . تضارب في التصاريح والافعال اقل ما يمكن وصفه بالمخزي. يروجون لما يتناسب مع مصالح حفنة امتصت ولا تزال خير هذا الوطن وأهله. يرفعون الاخساء ويدحضون ما كان يجعلنا دوما أبناء وطن. يعلون مآرب التعاون والانسحاق مع إسرائيل في مصالحهم الخاصة ، ويسقطون من يحاول ان يرفع رأسه.

سؤال يدق في خزانات رأسي الموشك على الامتلاء، لماذا تمت محاربة ورشة البحرين الاقتصادية؟ لأنها التفت عن هؤلاء وفتحت المجال لوجوه أخرى لتدخل في سباق السلام الاقتصادي؟

كاتبة من القدس

14 عدد مرات القراءه