الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

غسان كنفاني وجوخة الحارثي : توارد الأفكار .. عادل الأسطة

يوليو 07,2019 بقلم

image

عندما استشهد غسان كنفاني لم تكن الكاتبة العمانية التي فازت من شهرين بجائزة (مان بوكر) العالمية للرواية قد ولدت، فالكاتبة ولدت في العام ١٩٧٨ كما قرأت وكنفاني استشهد في الثامن من تموز في العام ١٩٧٢، وبالتالي فالصلة بين الكاتبين هي صلة أدبية ليس أكثر.

ولا أعرف إن كانت جوخة الحارثي قرأت كنفاني ولا أعرف ما هو موقفها منه؛ قضية وأدبا، فلم أقرأ، في المقابلات التي أجريت معها وشاهدتها، شيئاً عن موقفها من الأدب الفلسطيني.

وكما ذكرت في كتابتي عنها، فإن إحدى شخصيات روايتها «سيدات القمر» أتت على ذكر محمود درويش.

لم أكن شخصيا أتابع الأدب العماني متابعة حثيثة، على الرغم من أنني تابعت مجلة «نزوى» وقرأت بعض أشعار سيف الرحبي فيها، والرواية العمانية الوحيدة التي قرأتها، كما ذكرت، في كتابة سابقة، هي رواية «سيدات القمر» ولكنها لم تشدني كثيرا، لدرجة أنني لم أخصها بمقالة في زاويتي في جريدة الأيام أو في زاويتي في موقع «رمان». ولما فازت الرواية بالجائزة خصصتها بسلسلة كتابات متعاقبة دفعت بعض المثقفين للنيل من أحد النقاد الذين لم يعجبوا بعمل أدبي ما حتى إذا ما فاز بجائزة التفتوا إليه وأبدوا إعجابهم به، وهذا موضوع آخر.

وأنا أقرأ «سيدات القمر» تذكرت كنفاني ثلاث مرات؛ مرة حين أصغيت إلى مقابلة مع الكاتبة بثتها فضائية الجزيرة في برنامج «المشاء»، وثانية حين قرأت «سيدات القمر « ولاحظت بناءها الفني، وثالثة حين توقفت أمام هجرة العمانيين إلى الكويت في خمسينات القرن الماضي بسبب الفقر والجوع في السلطنة.

في المقابلة قالت الكاتبة إنها حين تكتب لا تفكر كثيرا في القارئ، وهذا ما تختلف فيه عن كنفاني الذي التفت إلى قارئ الرواية والتواصل معه لا مع القراء النقاد فقط، وأكثر متابعيه يعرفون رأيه في هذا، فحين وجد القارئ صعوبة في قراءة « ما تبقى لكم « قرر الكاتب ألا يكتب بأسلوب تيار الوعي وتداخل الأزمنة وتعدد الأصوات وتداخلها، فهو كاتب صاحب قضية، ويهمه التواصل مع القراء بالدرجة الأولى.

في مقابلتها مع «الجزيرة» قالت جوخة الحارثي كلاماً يعبر عن موقف مغاير لموقف كنفاني، وربما وجب أن يتوقف أمام الكاتبة والجمهور الذي تكتب له.

ما سبق كنت أتيت عليه، ولكن ما لم أتوقف أمامه في الصلة بين الكاتبين هو الكتابة عن عمان في خمسينات القرن الماضي.

في قصصه القصيرة قصة قصيرة عنوانها «موت سرير رقم ١٢»، وهي تأتي على مواطن عماني سافر من قريته «أبخا» إلى الكويت بحثا عن الثروة، ولكراهيته مجتمع قريته الذي حرمه من الزواج من فتاة أعجب بها، وقصة محمد علي أكبر يتذكرها قارئها حين يقرأ «سيدات القمر» عن سنجر، فسنجر العبد يرفض أن يظل عبدا مهانا للتاجر سليمان في قرية «العوافي» الافتراضية، ويسافر هو وزوجته شنة إلى الكويت ليعمل هناك، وفي الكويت يستقر. كتب كنفاني قصته، موظفا أسلوب الرسالة، في العام ١٩٦٠، وبالتالي فإن حدث القصة غير بعيد عن زمن كتابتها، وكان الكاتب يومها يقيم في الكويت، وأرجح أن سنجر سافر إلى الكويت في تلك الفترة.

ويستطيع المرء أن يقرأ قصة كنفاني ورواية الحارثي معا فيما يخص موضوعات الفقر والهجرة والصلات الاجتماعية والحياة في المنفى، وهنا في الرواية يمكن أن يتوقف القارئ أمام قصة عيسى المهاجر الذي يقيم مع عائلته في القاهرة.

حين يصل محمد علي أكبر إلى الكويت ينتابه حنين إلى أبخا وينظر إلى الوطن من موقع آخر مختلف، وهذا ما نقرؤه في رواية الحارثي على لسان خالد ابن عيسى المهاجر، فهذا الذي أقام في القاهرة وقرر البقاء فيها يختلف موقفه حين تموت أخته، ويتخذ الوطن في لحظات العودة لدفن جثتها وبعد ذلك، مفهوما آخر ويبدأ الحنين والتفكير في العودة ويعود.

وتبقى النقطة الثانية وهي البناء الفني لـ «سيدات القمر» و «ما تبقى لكم».

كتب كنفاني «ما تبقى لكم» متأثراً بأسلوب تيار الوعي وتداخل الأزمنة والأمكنة وتعدد الأصوات، وهو ما عرفته الرواية العالمية في ثلاثينات القرن العشرين على يد ( جيمس جويس ) و ( وليم فوكنر)، وعرفته الرواية العربية في العام ١٩٦١ على يد نجيب محفوظ في روايته «اللص والكلاب».

قرأ كنفاني رواية (فوكنر) «الصخب والعنف» - التي نقلها لاحقا إلى العربية جبرا ابراهيم جبرا - وأعجب بها وتأثر تأثراً واضحاً بالفصل الثاني منها، وأقر في مقابلات أجريت معه بإعجابه بها وتأثره فيها، ولكنه بعد أن كتب روايته ونشرها لاحظ إشادة النقاد بها وعدم فهم القراء لها فآثر الكتابة بأسلوب بسيط سهل.

تداخل الأزمنة والأصوات وتعدد الساردين هو ما يغلب أيضا على رواية الحارثي، وهذا دفع بالعديد من القراء إلى عدم متابعة الرواية، وهو ما أقر به قراء مقالاتي الخمسة والأربعين التي نشرتها تباعا في أيار وحزيران وبداية تموز على صفحة الفيس بوك الخاصة بي.

إن أسلوب تداخل الأزمنة وتعدد الأصوات والساردين أسلوب عرفته الرواية العربية بعد محفوظ وكنفاني وقرأناه في رواية الطاهر وطار «الزلزال» ورواية عبد الرحمن منيف «شرق المتوسط» وروايات أخرى، وقد لفت هذا الأسلوب أنظار الدارسين.

وجوخة الحارثي أستاذة جامعية حصلت على الدكتوراه من جامعة (ادنبرة) في المملكة المتحدة، وهي لا شك على اطلاع على الرواية العربية والعالمية، فهي تقرأ باللغتين العربية والإنجليزية.

هل قرأت الكاتبة غسان كنفاني أم أن ما أراه لم يخطر ببالها؟

وأيا كان الأمر فثمة تقاطعات بين رواية «سيدات القمر» وبعض أعمال كنفاني موضوعاً وأسلوباً.

في الذكرى الحادية والخمسين لاستشهاد الأب المؤسس للرواية الفلسطينية نتذكره ونضع على قبره باقة ورد ولو مجازاً.

61 عدد مرات القراءه