الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

في مألوف حياتنا: زيارة عابرة للقدس ... عادل الأسطة

ابريل 08,2019 بقلم

image

في الطريق إلى القدس تذكرت قصتين للقاص أكرم هنية هما: «لماذا لم أذهب لمقابلة صديقتي» و»شمال شرق دير اللطرون».

القصتان إذا ما بحثنا عن صلة بينهما، مقتفين خطى (ميخائيل ريفاتيري) في دراسته قصيدة «القطط» لـ(بودلير) وكمال أبو ديب في دراسته «ثلاث قصائد لأبي نواس»، فإننا ولا شك واجدون تلك الصلة.

في الأولى، لا يتمكن أنا المتكلم من الذهاب لمقابلة صديقته، لأنه يعتقل ليلا من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وفي الثانية يتأخر أنا المتكلم عن الموعد المحدد للقائه بالفتاة التي يود خطبتها، إذ يتحاور، وهو عائد من غزة إلى الضفة، مع جندي إسرائيلي حشرتهما الأمطار في منطقة قرب دير اللطرون.

في يوم الأربعاء في الثالث من نيسان قررت زيارة القدس، ووجدتني أتصل بأختي أعلمها بالأمر حتى ينتظرني زوجها في مكان ما، فأنا لا أعرف بيتهما هناك، إذ غالبا ما نلتقي في الأعياد، في بيت ابنها أو في بيت حماتها، في ضاحية البريد، كما لو أن الضاحية صارت مثل بوابة مندلبوم قبل 1967. وقد أزيلت البوابة بعد الحرب مباشرة ولم تبق قائمة إلا في أذهان كبار السن وفي القصص القصيرة التي كتبها اميل حبيبي وسميرة عزام؛ الأول في قصته التي حملت اسم البوابة والثانية في قصتها «عام آخر» إن لم تخني الذاكرة.

في الطريق إلى القدس، قبل حاجز حوارة اتصلت ثانية بأختي أعلمها أنني قد لا أتمكن من المجيء، فثمة إصابة شابين على حاجز حوارة.

كان السائق الذي يقلنا في سيارة (شتل) - أي باص صغير لسبعة ركاب - يتصل باستمرار بغير سائق يسأله عن حركة الدخول والخروج في حاجز حوارة.

فكر السائق في أن يعود إلى نابلس ليسلك طريقا ثانية ويقصد رام الله عن طريق تل، ثم واصل طريقه المعتاد.

ونحن في الطريق قرر أحد الركاب العودة إلى نابلس، فقد تلفن له شخص ما يعلمه بوفاة أحد أقاربه.

لم يعد السائق إلى نابلس وواصل البحث عن مخارج أخرى، فهو يعرف طرقا فرعية يسلكها السائقون في حالات إغلاق الطريق الرئيس، وهي طرق سارت السيارات عليها في فترة انتفاضة الأقصى من العام 2000 حتى العام 2008 تقريبا. إنها طرق مسفلتة من عقود ويسلكها السائقون عند الضرورة.

المدة التي يستغرقها الوصول إلى رام الله لا تزيد في الغالب على ساعة، وقد استغرقت يوم الأربعاء الماضي ساعتين ونصف الساعة.

هل شتمنا وتذمرنا وضجرنا؟

كنا ننظر إلى الطبيعة الفلسطينية في فصل الربيع وعرفت شخصيا طرقا جديدة. عرفت طريق عورتا بيتا وأوصرين، ومن الأخيرة اقتربنا من حاجز زعترة، كما لو أننا كنا قادمين من طريق الجسر أريحا.

في الصباح، كنت قررت أن أزور حيفا إن وجدت حافلة سياحية، ولكن باص الرحلة الذي غالبا ما أشاهده ينتظر ركابه قد غادر، فعزمت على زيارة القدس، وفي الطريق تذكرت مطلع قصيدة تميم البرغوثي «في القدس»: «مررنا على دار الحبيب فردنا عن الدار قانون الأعادي وسورها»، وأنا لم يردني قانون الأعادي وسورها، فقد تجاوزت الستين وحصلت على بطاقة ممغنطة، والآن إن ردنا عن دار الحبيب راد فهو الاحتلال كجوهر لا قوانينه ولا سوره.

«ابحث عن الأسباب» يقول الشاعر اليهودي (إريك فريد) في قصيدته «اسمعي يا إسرائيل»، والعلة وأساس العلة هو الاحتلال.

على عادة الفلسطينيين تتحول المأساة أحيانا إلى شبه ملهاة.

ثمة مستوطن أطلق النار على شاب فلسطيني في الثانية والعشرين من العمر وأصابه بجروح خطيرة نقل إثرها إلى المستشفيات الإسرائيلية في فلسطين، وجرح شاب آخر في الخاصرة ونقل إلى مشافي نابلس.

ماذا سنفعل نحن؟

هناك الآلاف يسافرون يوميا من شمال الضفة الغربية إلى رام الله ليواصلوا أعمالهم، فهل سيعودون من حيث أتوا، وحوادث القتل على الحواجز تتكرر؟

واصل السائق السير باتجاه رام الله، وأصغينا إلى الأخبار ثم عدنا إلى الحديث.

كانت في الحافلة امرأة، وكان السائق يحمل قفص عصفور ليوصله إلى رام الله. ولما زقزق العصفور بدأت المرأة الحديث عن العصافير، وأخبرتنا أن زوجها مغرم بها - أي بالعصافير، كما كتب عنها مالك المصري في كتابه «نابلسيات».

نبه السائق المرأة وطلب منها الحذر، حتى لا يطير العصفور، فثمنه 600 شيكل. طمأنته المرأة، فالعصفور في قفص غلف بكيس أسود، ويبدو أن السائق لم يعرف هذا.

قالت المرأة للسائق، إن العصفور عصفور محنى - من الحناء - وإن ثمنه مرتفع، فهو بالكاد يستحق 400 شيكل، وجربت الاتصال بزوجها تسأله.

صار العصفور ملح الطريق وفتح شهية المرأة للحديث وتجاذبت والسائق الشاب الذي درس في جامعة النجاح التربية الابتدائية أطراف الحديث.

عرفنا من السائق الكثير عن حياته الشخصية وأسرته، وعرفنا أن أمه الآن في أميركا، فقد طارت إلى هناك لتزوج ابنتيها في شيكاغو. هل تذكرت قصيدة المتنبي التي منها:

نحن أدرى وقد سألنا بنجد

أطويل طريقنا أم يطول؟

وأخيرا، بعد ساعتين ونصف الساعة، وصلنا إلى رام الله.

أنا واصلت الطريق إلى القدس عبر معبر قلنديا.

قيل لي هناك باص من رام الله إلى القدس. ما إن وصلت مكان انطلاقه حتى وجدته منطلقا ممتلئا تماما، ولم يكن هناك باص آخر، فاضطررت إلى استقلال باص (شتل) ثانية، وفيه جلس إلى جانبي مواطن مقدسي في الثامنة والستين من العمر، وقد تجاذبنا أطراف الحديث وعاد بالذاكرة إلى حرب العام 1967 وارتد إلى ما هو أبعد، وأتى على الزعامة الفلسطينية قبل العام 1948 وتناحراتها وقال، إن مأساتنا تكمن في قياداتنا. هل كان قرأ إبراهيم طوقان وقصيدته «أنتم»:

«وبيان منكم يعادل جيشا

بمعدات زحفه الحربية

في يدينا بقية من بلاد

فاستريحوا

كي لا تطير البقية»؟

ربما! فحين سألته عن الشاعر فوزي البكري أجابني بأن زمانه ولّى.

نظر الرجل إلى جبل الطويل وروى لي قصة الجبل قبل العام 1967 وما حدث بعد هزيمة حزيران وشتم السماسرة.

سألته إن كان مسرورا كونه مواطنا مقدسيا يحصل على الضمان الاجتماعي من دولة إسرائيل، فأجابني على خلاف ما كنت أتوقع:

- لينصرف الإسرائيليون ولا أريد ضمانهم وتأمينهم الصحي.

في القدس، سمعت من مقدسيين آخرين كلاما مختلفا، وهو ما يتناقل عموما في الضفة عن مقدسيين يبدون ارتياحا لحصولهم على الهوية المقدسية وسعي قسم منهم للحصول على جواز سفر إسرائيلي حتى يتمتعوا بامتيازاته.

في المعبر، تنتظر وينتظر الآخرون ومنهم المقدسيون ممن زاروا رام الله مستقلين الحافلات العامة لا الخاصة، ولقد كان اليوم يوم أربعاء وصادف ذكرى الإسراء والمعراج. ثمة أزمة واضحة ولكنها لم تستمر طويلا ولم تستغرق رحلة العبور في الصراط المستقيم وقتا طويلا. ثمة بوابات عديدة والبطاقة الممغنطة توحي هي للبوابة: «افتح يا سمسم» فيفتح سمسم بلا كلام، وتدخل إلى القدس، فهل تكرر بيت تميم:

«وما كل نفس حين تلقى حبيبها تسر

ولا كل الغياب يضيرها».

أم تكرر أسطر محمود درويش:

«أمشي كأني واحد غيري»؟

242 عدد مرات القراءه