الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

'مذكرات دجاجة' الرواية الإشكالية ... عادل الاسطة

فبراير 19,2019 بقلم

image

يبدو أن للدجاجة الحكيمة امتداد وخليط

 من التيار النفعي والديني واليسار الانتهازي

لازال حتى يومنا هذا يتسابق لترك الخم ( المأوى )

 

تعد رواية اسحق موسى الحسيني "مذكرات دجاجة" أكثر رواية فلسطينية قبل العام 1948 حظيت بتلق نقدي، بل إنها تعد الأكثر انتشارا من الروايات التي صدرت في تلك الفترة، وقد حظيت بغير طبعة، فبعد صدور طبعتها الأولى في سلسلة كتاب "اقرأ "المصرية أعيدت طباعتها عن السلسلة نفسها ثانية، وفضلها القراء، في حينه، على غيرها من الكتب الصادرة عن السلسلة.

كتب الدكتور طه حسين مقدمة للرواية في طبعتها الأولى وأشار إلى أن أسلوبها يذكر ببعض كتب التراث العربي "فقد مضت سنة الشعراء من العرب أن يشاركوا الحمائم في الحب والحنين والأسى، فيترجمون عنهن، حينا ويزعمون أنهن يترجمن عنهن حينا آخر"، وهكذا فإذا كان الحسيني أنطق الدجاجة، فإن هناك من الشعراء العرب من أنطق الحمام:

"أبنات الهديل أسعدن أو عد/ ن قليل العزاء بالإسعاد

إيه لله دركن فأنت / ن اللواتي تحسن حفظ الوداد".

وأما الحسيني فكتب في مقدمته: "فأنا - في الواقع - أترجم لك ما أوحت به إلي".

وربط دارسون آخرون بين أسلوب الرواية وكتاب عبد الله بن المقفع "كليلة ودمنة"، فالكتابان كلاهما يعبران من خلال الحيوان عما يعتمل في ذهن كاتبيهما من آراء وأفكار، بل وفي ذهن الكثير من البشر، وهذا ما دفع الناقد فاروق وادي إلى القول بأن ما هو حيواني في "مذكرات دجاجة" يتطابق وما هو إنساني. (ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية، ص 27 ).

ليس الأسلوب وحده هو ما لفت أنظار الدارسين في هذه الرواية، فهو، كما أشير، أسلوب مطروق في الأدب العربي، وإنما ما لفت النظر هو الطروحات التي جرت على لسان الدجاجة الحكيمة فيما يخص الصراع على "المأوى".

تسرد الدجاجة قصة انتقالها من بيئة ريفية إلى بيئة جديدة مختلفة شروط الحياة فيها أسهل. وتأتي على مجموعة من الدوال ذات المدلولات الرمزية التي لا تخفى على أحد، إذا ما قرئت الرواية دون إغفال زمن كتابتها وحياة مؤلفها ومكان إقامته والظروف التي سادت في حينه.

كتبت الرواية في بداية 40 القرن العشرين في القدس التي خضعت للانتداب البريطاني وشهدت، مثل بقية أرجاء فلسطين، صراعا عنيفا بين سكانها الفلسطينيين واليهود الصهيونيين القادمين من أوروبا، ووقفت حكومة الانتداب إلى جانب الحركة الصهيونية.

أبرز الدوال التي أولت تأويلا رمزيا هي:

- المأوى.

- الدجاج الغريب الذي حمل إلى المأوى.

- العملاق.

- الزعيم وأنصاره.

- الدجاجة الحكيمة.

وقد شهد المأوى صراعا عليه بين الزعيم وأنصاره وبين الدجاج الغريب الذي حمل إلى المأوى حملا، وهذا الصراع بلا شك تعبير رمزي واضح عن الصراع الذي عاشته فلسطين في النصف الأول من القرن العشرين.

وفي حين اختار الزعيم وأنصاره القوة لمواجهة الدجاج الغريب وحل المشكلة، ارتأت الدجاجة الحكيمة طريقا آخر يتمثل في عدم اللجوء إلى العنف. إن الحل الأفضل، من وجهة نظرها، هو أن يسيح الزعيم وأنصاره في العالم وأن يصلحوه، حتى إذا ما أتموا مهمتهم وأصلحوا الآخرين حلت مشكلتهم.

يرد على لسان الدجاجة:

"ليس لكم إلا أن تنتشروا في هذه الأرض، وتبشروا الخلق بالخضوع للحق وحده، وتقنعوا الباغي أن بغيه يرديه، وعندئذ تحلون قضية عامة إنما قضيتكم جزء منها "(ص 153 )

في العام 1948 - أي بعد خمس سنوات من صدور الرواية طرد الفلسطينيون من بلدهم بالقوة وعاشوا مشردين عالة على العالم، وقد تذكر بعض الكتاب رواية الحسيني وطروحاتها، ورأوا أن الدجاجة ما كانت حكيمة في هذا العالم الذي إن لم تكن فيه ذئبا أكلتك الذئاب.

سيكتب عبد الحميد يس وهو قاص فلسطيني أصدر قبل 1948 مجموعة "أقاصيص" وعانى من النكبة، سيكتب مقالات تحت عنوان "مذكرات ديك" رادا على الدجاجة ومذكراتها. وحين يهزم العرب ثانية في 1967 سيعود ويكتب تحت العنوان نفسه ثانية.

كما لو أن لسان يس هو: لا مكان في هذا العالم إلا للقوة، وسيخسر الخانعون. (فكر وأدب، رابطة الكتاب الأردنيين، عمان 1978، ص 120 وما بعدها).

لم يكن عبد الحميد يس الكاتب الوحيد الذي رفض طروحات دجاجة الحسيني، فثمة كتاب آخرون كتبوا عن الرواية كتابات لم تكن في صالحها، بخاصة من النقاد الأيديولوجيين.

في بداية 80 القرن العشرين سيكتب فاروق وادي مقالة طويلة تحت عنوان "مدخل إلى الرواية الفلسطينية" وسيجعلها لاحقا مقدمة لكتابه ذائع الصيت "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية: غسان كنفاني واميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا" 1985، وسيتوقف أمام "مذكرات دجاجة".

يرى وادي أن أسلوب الرواية مطروق في الأدب العربي القديم، ويرى أن ما يلفت النظر في الرواية هو بحدة طروحات الدجاجة لحل الصراع حول المأوى.

لا يروق موقف الدجاجة الحكيمة للناقد الشاب الماركسي التوجه، ويذهب إلى أن طروحات الدجاجة تعبر عن طروحات كاتبها وطبقته ويرى أن الدجاجة خانت فلسطين وقضيتها، حين اقترحت التنازل عن المأوى.

عندما نشر فاروق وادي مقاله واطلع عليه الروائي لم يرق له ما اتهم به ورد عليه، وبغض النظر عن رأي وادي ورأي المؤلف فإن الرواية لم تفقد بريقها والجدل حولها، وما زال دارسو الأدب الفلسطيني يتوقفون أمامها وما زال القراء يتلقفونها، فهي لبنة أساسية من لبنات الرواية الفلسطينية، ولقد تركت أثرا في أعمال روائية فلسطينية لاحقة سارت في أسلوبها على منوالها، فكتب عبد الرحمن عباد "مذكرات خروف" وكتب كتاب آخرون "يوميات حمار" و"يوميات حمار وطني".

وأعتقد أن صدور طبعة جديدة من الرواية يعد حدثا مهما ومجزيا، فمن الضروري أن يطلع الروائيون الجدد على النتاج الروائي الفلسطيني في مراحله الأولى.

26 عدد مرات القراءه