الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

جورج حبش: الاشتباك الأخير .. سيف دعنا

يناير 29,2019 بقلم

image

في الذكرى الحادية عشرة لرحيل المناضل والقائد الفلسطيني والعربي جورج حبش (26 كانون الثاني/ يناير 2008)، أحد أبرز مؤسسي حركة القوميين العرب، والأمين العام المؤسس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يُصدر «مركز دراسات الوحدة العربية»، مذكّرات جورج حبش في كتاب بعنوان «صفحات من مسيرتي النضالية»، في تغطية لأبرز محطات تجربته النضالية. خصّ المركز «الأخبار» ببعض فصول الكتاب، تولّى تقديمها ومراجعتها الكاتب سيف دعنا وستُنشر تباعاً في حلقات.

«سوف أذهب إلى أرض وطني وأقول:

عانقيني بلا أي خوف،

وإذا كان كل ما أعرف القيام به هو أن أتكلم، فأنني لن أتكلم إلا من أجلك

وسأقول لها أيضاً:

فمي سوف يكون صوت كل تلك المآسي التي ليس لها فم،

وصوتي سوف يكون صوت حرية كل الذين يقبعون في زنازين القهر

وعلى الطريق سوف أظل أردد لنفسي

وقبل أي شيء، لجسدي وكذلك لروحي:

حذارِ حذارِ

من القبول بموقف المتفرج العقيم، لأن الحياة ليست مشهداً،

ولأن بحراً من المآسي ليس مجرد مقدمة مسرحية،

ولأن إنساناً يصرخ من العذاب ليس مجرد دباً راقصاً»

إيميه سيزير «مذكرات العودة إلى أرض الوطن»

 

«إلّا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات، يحفظ الله بهم الأرض، بواطنهم كظواهرهم، بل أجلى، وسرائرهم كعلانيتهم، بل أحلى، وهممهم عند الثريا، بل أعلى، إن عُرفوا تنكروا، وإن رُئيت لهم كرامة أنكروا. فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تحبهم بقاع الأرض، وتفرح بهم أفلاك السماء».

ابن الجوزي في وصف الأبدال

«الأبدال» أو «البدلاء» في التقليد الصوفي، كما جاء في «لسان العرب»، هم «قوم من الصالحين، بهم يقيم الله الأرض، أربعون في الشام وثلاثون في سائر البلاد، لا يموت منهم أحد إلا قام مكانه آخر فلذلك سُمّوا أبدالاً».

ويذكر ابن عربي في «الفتوحات المكية» أن «ثم رجالاً سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السموات السبع، ولكل شخص منهم قوة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السموات»‏i.

وينقل هادي العلوي عن ابن شميل: أن «الأبدال خيار بدل من خيار»، وعن ابن السكيت: «سمي المبرزون في الصلاح أبدالاً لأنهم أبدلوا من السلف الصالح (أي قاموا مقامهم بعد ذهابهم).

والأبدال هم الأولياء والعباد، سُموا بذلك لأنهم كلما مات منهم أحد أبدل بآخر». أما علامتهم، كما نقل الزبيدي في تاج العروس أنه لا يولد لهم، أو «لا يولد لهم ولدا ذكراً»، كما جاء في ترجمة صاحب «مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات»، محمد المهدي الفاسي (وهو من الأبدال، كما ينقل البعض)ii.

وإذا وقفنا عند قول الزبيدي أنه لا يولد لهم ولد ذكر، يقول هادي العلوي: فـ «هذه حال المسيح الذي لم يتزوج أصـلاً. وحال محمد الذي لم يكن له ولد ذكر. وكذلك حال معظم الصوفية من الأقطاب. ومن المعاصرين لم يكن لكارل ماركس ولد ذكر ولم يولد للينين»iii.

أما «الأوتاد»، «الذين يحفز الله بهم العالم»، فهم كما يذكر ابن عربي «أخص من الأبدال»

 أو أخص الأبدال، في المذاهب الصوفية، وهم أيضاً «أضنان الله». والأضنان، كما يشير هادي العلوي، من الضن، «أي البخل الشديد»، و«ضنائن الله» هم الذين يضن الله بهم عن الفساد. وفي «لسان العرب» هم «الخصائص من أهل الله تعالى الذين يضنّ بهم لنفاستهم عنده تعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام»: «إنّ لله ضنائن من خلقه ألبسهم النور الساطع يحييهم في عافية ويميتهم في عافية». والأوتاد من الأبدال، كما جاء عند ابن عربي في «الفتوحات». والقول «إن الله يقيم بهم الأرض هو ما يعطيهم اسم الأوتاد»، وهذا «مأخوذ من الفلك القرآني حيث اعتبرت الجبال أوتاداً للأرض تمنع ميلانها وتثبتها في مستقرها، واستعيرت للأبدال الأوتاد لأن وجودهم على الأرض يمنع أهلها من الفساد ويبقيهم على حال الصلاح والاستقامة فلا تنخسف بهم»‏.

لهذا، فالأبدال، في مذهب الصوفية، هم قوة الخير المضادة، في هذا الكون، لقوة الشر والخراب التي يمثلها الفاسدون والخونة وأصحاب السلطة والمال والجشع. وهم قوة الإنسانية وروحها التي تعطي الحياة معناها وتوازنها وتحميها من خراب قوى الخراب في هذه الأرض. لذلك هم أيضاً كالأوتاد (الجبال) التي تحمي الأرض من الميلان وتحفظ لها توازنها بموازنتها للفساد والخراب الذي يمثله جشع أهل الدولة ورأس المال ورجال الدين.

هكذا كان جورج حبش، من ضنائن الله، ومن أوتاد هذه الأرض. أفنى عمره ثائراً يقاوم العدو، وأفناه يُقَوِّم زيغَ المتنفذين الغارقين في الفساد والخيانة والشر والخراب، ليجعل منا بشراً أفضل، وليعطي لهذه الحياة توازناً يجعل العيش فيها ممكناً ويبقي الأمل حياً. تقرأ كلمات هذا الثائر غير المهزوم، رغم كل الهزائم، وغير المقهور، رغم كل القهر، فلا تطلب ولا تتمنى إلا أن يكون لدى كل منا شيء قليـل من هذه القناعة التي لا تتزعزع، وحظ قليـل من هذه الشجاعة الفائقة التي لا تهزم، ونصيب صغير من تلك القوة الروحية العظيمة غير القابلة للكسر.

تقرأ جورج حبش فتعرف أنه هكذا فقط يكون الثوار الحقيقيون. تقرأ جورج حبش فتتأكد أن هناك طريقاً واحداً ووحيداً للنصر وطريقاً واحداً ووحيداً لتحرير فلسطين هو طريق جورج حبش. تقرأ جورج حبش فتعرف أن هناك تعريفاً واحداً ووحيداً فقط للحرية الحقيقية وتعريفاً واحداً ووحيداً للكرامة هو تعريف جورج حبش. تقرأ جورج حبش فتعرف أن هناك معنىً واحداً ووحيداً للوطن ومعنىً واحداً ووحيداً لفلسطين هو معنى الوطن ومعنى فلسطين عند جورج حبش.

لقد بدا لي صائباً أول الأمر، قبل أن تبدأوا بقراءة النص الأخير لحكيم الثورة الفلسطينية، أن أتكلم قليـلاً (وسأتجرأ لأقول باسم الجميع)، في مديح ذلك الرجل الشجاع، الذي سعى، بأكثر مما يستطيع أي إنسان آخر، إلى صوغ الفكرة وصناعة الأمل الذي لا يزال يعيش فينا ويعطينا القدرة على العيش والاستمرار رغم كل شيء. لقد بدا لي الأمر صائباً جداً ونحن نقف أمام كلماته الأخيرة، أن أكتب متحدثاً، ولو قليـلاً، باسم جيل جديد أعيد بناؤه في عقيدة الجبهة الشعبية وعقيدة فلسطين الأصلية والأصيلة التي أسس لها وأسسها جورج حبش، تلك العقيدة العروبية الأصيلة التي لا تعرف أي مهادنة مع العدو، ولا تعرف أي مساومة حتى على حبة رمل واحدة من أرض فلسطين. لهذا، فإذا كان هناك أي شيء يجعل من المناسب أن أكتب أنا، أو أي رفيق من جيلي هذا النص، بدلاً من أحد آخر من الرجال ذوي الشعر الأبيض الآن، أولئك الذين كانوا مع الحكيم منذ البداية، وشاركوه في المقاومة وفي المعاناة والتفاني في مشروع تحرير فلسطين لعقود، فهو فقط الأمل بأن تكون هذه مناسبة لنا جميعاً لنجدد التزامنا ووفاءنا مرة جديدة لهذا الرجل العظيم، ولنهجه، ولطريقه الذي اختطه منذ خسارتنا فلسطين وحتى اللحظة الأخيرة من حياته.

تقرأ جورج حبش فتعرف أنه هكذا فقط يكون الثوار الحقيقيون

 

لا أكتب مدخلاً لهذا الكتاب الذي يصدر في الذكرى الحادية عشرة لرحيله خضوعاً للحزن، أو للوعة المشتاق المصاب بفقدان الحبيب والقدوة، بل من أجل تمجيد هذه الروح العظيمة التي أعطيت لنا، ولكي ندخل مجدداً في شراكة وثيقة وعهد جديد وقَسَم جديد مع هذا الرجل الشجاع والمثال. فالكثيرون منا يشعرون بهذه الشراكة، ويشعرون بحاجتهم إليها الآن أكثر من أي وقت مضى. فلقد كان جورج حبش قائداً ومقاوماً ومثالاً؛ كان مثالاً في نعمة البطولة الفريدة، والتفاني اللامحدود، التي كانت طريق حياة وطريقة عيش واحدة ووحيدة له. كان مثالاً في قوة روحه ووضوحه وصدقه وتفانيه وصلابته وشجاعته التي فضحت كل أولئك «القادة» المزورين بضعف روحهم وكذبهم واستسلامهم وخنوعهم وجبنهم. وكل هذه الروعة والعظمة والقوة كانت متوافقة تماماً، رغم كل ذلك، مع التواضع المذهل لرجل مثله وبمقامه، وببساطة التفاني اللامتناهي حتى اللحظة الأخيرة من أجل فلسطين وأهلها والوطن العربي وأهله. وشراكتنا مع الحكيم وعهدنا له هما شراكة وعهد، كذلك، مع كل الذين أفنوا أعمارهم يقاومون على طريق تحرير كل الوطن المسلوب. شراكة وعهد حتى النهاية مع كل الذين أفنوا أعمارهم يقارعون الصهيونية في الزنازين أو في ساحات القتال. شراكة وعهد مع كل الذين أصبحت فلسطين قضيتهم الأولى والأخيرة، قضيتهم العامة وقضيتهم الخاصة، وأعطوها، مستلهمين القليل من نموذج القائد جورج حبش، كلَّ ثانية من أعمارهم الفانية. أكتب باسمنا جميعاً لنتعهد للحكيم، ونتعهد لكل هؤلاء الأبطال، بالوفاء والقسم والعهد، وأن نتعهد أولاً وقبل أي شيء لفلسطين حبنا إلى الأبد، واستعدادنا للتضحية من أجلها وفي سبيلها بكل شيء وبأي شيء، وأن نتعهد للصهاينة الأعداء كرهنا وحقدنا وعزمنا على مقاومتهم حتى النهاية.

عن النص

«ولادة القارئ ستكون حتماً على حساب الكاتب»، جادل رولاند بارث في «موت الكاتب». فعلى القارئ، يقول، تقع مسؤولية الإمساك بالمعنى النهائي للنص، وبالتالي، فالقارئ، بكل مواصفاته وخلفيته وإمكانياته وهوياته، وليس الكاتب، هو المسؤول الأول والأخير عن فهم النص (وبالتالي عن نجاح هذا النص أو فشله). لهذا يجادل بارث، أيضاً، بأنه ينبغي فصل النص عن صاحبه لتحريره من «طغيان التفسير». وفي مخالفة ظاهرية (ظاهرية فقط في رأيي) لهذه الرؤية، يركز ميشيل فوكو، في نص يقصد منه، كما فهمه كثيرون، مخالفة زعم بارث، على «وظيفة الكاتب» التي تتمحور حول دوره التصنيفي للنص في سياق خطابي معين. يبدو في نص فوكو، ما هو الكاتب، دورٌ ما للكاتب (ظاهرياً في الحقيقة لا أكثر)، وهو ممكن فقط في سياق خطابي. بصورة أدق، تضيء رؤية فوكو، بتركيزه على الخطاب، على مجالات وإمكانيات السيطرة والتحكم بالمعنى الذي تحدد معه وتحد بدورها بالضرورة دور الكاتب. هذا الجدال الباريسي - الباريسي ما بعد الحداثي، بالشكل والجوهر، لم ينتهِ حتى رغم التدخل الساخر لجاك دريدا لاحقاً في «ميتات رولاند بارث». هو جدال باريسي - باريسي يشوبه الكثير من الترف الذي لا يعرفه ولا حتى يهتم به الكثير من الكتاب (والنصوص) الذين تأخذ الكتابة عندهم معنىً وهدفاً ودوراً ووظيفة مختلفة.

فالكتابة «فعل تاريخي» لدى من يرى نفسه منخرطاً جدياً في واقع عصره. وفي حالة العرب، وخصوصاً بعد هزيمة عام 1967، أصبحت الكتابة «فعـلاً مقاوماً» بامتياز، كما جادل الناقد المصري غالي شكري. ففي حين شكلت النكبة سؤال العرب الوجودي، وسؤال إمكان استمرارهم التاريخي كشعب وثقافة، وسؤال تحولهم من أمة في طور عملية تاريخية من التشكل أصابتها النكبة بحالة قطع عنيفة إلى أمة تدخل مسرح التاريخ، أصبح على الكاتب العربي «إنتاج فكر ولغة يجسدان إرادة الدفاع عما هو مهدد بالانقراض في الحياة العربية»‏vi.

الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. لهذا بالضبط لا يزال الشهيد غسان كنفاني يحتل مكانة فريدة ومتميزة بين كل الكتاب العرب والفلسطينيين. فهو لم يكن مسكوناً في كتاباته بتصوير الحاضر القادم من ماضي النكبة فقط، بل، وربما أهم من ذلك، كان مهموماً باستتباع ذلك بفتح آفاق للمستقبل. لهذا كان كل نص لكنفاني، أدبياً كان أم سياسياً، أشبه ببيان ثوري. فكنفاني كان نموذجاً لكاتب من نوع خاص جداً اقتضت وجوده الحالة العربية الجديدة. فما بعد النكبة، وتحديداً ما بعد ثورة 1952 في مصر، التي ساهمت في التأسيس لنشوء حركات التحرر، «تفاقم دور الكاتب»، كما جادل إدوارد سعيد في «تأملات في المنفى». هكذا كانت الدعوة إلى الثورة «دقوا جدران الخزان» في «رجال في الشمس». ولهذا ذكر الحكيم في رسالة التعزية لآني كنفاني «إننا تلقينا (باستشهاد غسان) ضربة موجعة جداً»‏vii.

الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. فأهم ما قام به قسطنطين زريق، صاحب معنى النكبة، وأحد ملهمي الحكيم، في كتابه عن النكبة، غير تعريفه للحدث وحفره للمصطلح، هو «إلقاؤه الضوء على مشكلة الحاضر، موقع المعاصرة الإشكالي، الذي يشغله العرب ويعملون على إعاقته». فلقد أدرك مبكراً أن ما ينبغي على «الكتَّاب» العرب القيام به بمعرفة ودراية هو خلق الحاضر تمهيداً لمعركة استعادة الاستمرارية التاريخية، ورأب الصدع الذي تسببت به النكبة، والأهم من كل ذلك إطلاق إمكان تاريخي للتغيير.

الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. لهذا بالضبط علق باولو فريري في كتابه «تعليم المقهورين» أن «أسلوب [تشي] غيفارا الواضح في سرد تجاربه هو ورفاقه، ووصف علاقته بالفلاحين الفقراء الموالين لهم بلغة إنجيلية تقريباً، يكشف القدرة الكبيرة لهذا الرجل المدهش على الحب والتواصل مع الناس»viii.

الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك. هكذا يتوجب قراءة النص الأخير، وفهم الفعل الأخير، لجورج حبش وإدراك الهدف منه. فهذا النص ليس سرداً بلا غاية، أو هذا ليس سرداً أراد له صاحبه أن يكون نوعاً من التاريخانية أو السرديات الأكاديمية أو المذكرات الذاتية. ليس سرداً أراد له صاحبه أن يكون مجرد أرشفة أخرى للتاريخ بلا غاية أو لمجرد الأرشفة. فالتاريخ يجب أن يُقرأ أولاً وأخيراً كحالة أيديولوجية. يجب أن يُقرأ كتحفيز لعمل مستقبلي. يجب أن يُقرأ كخارطة طريق للمقاومة والتغيير والثورة. ففي نهاية الأمر، كل الحقائق التي يختارها مؤرخو أي مرحلة من بين آلاف الحقائق الأخرى، هي (لذلك) ذاتية وسياسية أولاً وأخيراً، كما جادل مؤرخ الثورة البلشفية إدوارد هاليت كار. لهذا، فجوهر التأريخ ليس النص وحده أو بحد ذاته (على أهميته)، بقدر ما هو الاستشراف والأفق الذي يفتحه أمامنا، فيضع السرد أو النص نفسه في حيز المقاومة وسياقها في المستقبل، وحتى يمكن أن يعمل على تأسيس مسارها بفتحه آفاقاً من الإمكانات التحويلية - هذا هو المعنى الحقيقي لفكرة أن «الناس تموت والفكرة لا تموت».

الكتابة فعل مقاومة وفعل اشتباك، لأن الفعل والاشتباك المقصودين هنا بالذات هما اشتباك وفعل من أجل تكوين الوعي وخلق الإنسان من جهة، وإسقاط الخرافات (من خرافة «إسرائيل» نفسها إلى كل الخرافات التي يسوقها المهزومون)، من جهة أخرى. الكتابة فعل مقاومة واشتباك، لأن الكتابة عمل، ولأن العمل نفسه (والفعل المشتبك نفسه) هو الشيء الحقيقي الوحيد في التاريخ، والشيء الحقيقي الوحيد في هذه الحياة، وما عداه هو الخرافة والتزوير. لهذا، فالكتابة كـ «فعل مقاومة وفعل اشتباك» هي أكثر توصيف مناسب للنص الأخير الذي تركه لنا جورج حبش، ويُنشر بعد أحد عشر عاماً على رحيله. فهذه ليست محاولة للتأريخ بقدر ما هي أحدى محاولات الحكيم المتعددة للاشتباك مرة أخرى مع الأسئلة الكبرى التي أرَّقته منذ اتفاقيات أوسلو، وتحديداً مع انعقاد المؤتمر الخامس للجبهة الشعبية (1993) حين أرسل الحكيم أول إشارات العزم على التخلي عن الأمانة العامة، وأصر عليها ونفذها في المؤتمر السادس (2000) من أجل خوض مرحلة جديدة من النضال تتمثل، كما كتب، بالعمل «على إنشاء مركز [الغد] الذي يُعنى بدراسة تجربة حركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية والأحزاب القومية الأخرى، وكذلك تجربة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وأيضاً العمل القومي منذ النكبة، بحيث تكون تجربة الجبهة والحركة والأحزاب والتجارب الأخرى درساً مفيداً لمتابعة النضال الوطني والقومي، من دون أن يعني ذلك ابتعادي من ساحة النضال الوطني والقومي»ix.

في ثنايا هذا النص لا توجد فقط الكثير من الأسئلة التي كانت تؤرق حبش وكان يرى في التصدي لها والإجابة عنها مسؤولية ثورية ووطنية وقومية وإنسانية، وليس في هذا النص فقط الكثير من الحديث في التاريخ وعن التاريخ والأحداث والتجارب الفردية والجمعية، بل يوجد أيضاً الكثير مما يمكن أن نفهمه ونعرفه عن شخصية صاحب هذا النص وروحه وقلبه، والنموذج الذي ينبغي أن يكون عليه الثائر الحقيقي والقائد الحقيقي والمقاوم الحقيقي، ما دفعني إلى البحث عميقاً في نصوصنا التراثية لاستلهام توصيف لهذه الروح الفذة والفريدة. فعقب النكبة مباشرة، يكتب الحكيم، «حصلت عملية الاندماج الكلي والصادق بيني وبين العمل الكلي من أجل قضية شعبي ووطني»x. وهذا النص يؤكد أن هذا الاندماج الكلي رافق الحكيم حتى اللحظة الأخيرة من حياته، فقد رحل هذا المقاوم العظيم مبتسماً وهو يسمع أخبار أبطال غزة يكسرون الحدود بين فلسطين ومصر، فتأكد أن المراهنة على الناس التي أفنى عمره من أجلها لا يمكن أن تخيب أبداً.

في ثنايا هذا النص صدق ووضوح وشجاعة نادرة في زمن يدعي فيه «البطولة» و«الصراحة» و«الوضوح» كل من أراد ذلك فقط لتبرير تخاذله وعجزه وكذبه واستسلامه. «إنني عادة أحدد موقفي السياسي وموقف الجبهة بعد تأنٍ وتفكير، ولكنني أعترف أنه في سياق الثورة تأتي لحظات أفكر فيها بعقلي وقلبي ووجداني معاً»xi. هذا ما قاله الحكيم، في سياق تفسيره لمقولة «سادات فلسطين» التي نعت بها عرفات عقب زيارته نظام كامب دايفيد، وظل يرددها لاحقاً رغم عتب البعض من رفاقه عليه لخروجه عن «حدود اللياقة السياسية». لهذا فنص الحكيم الأخير يصلح أن يكون بياناً ثورياً حقيقياً يؤسس لمراجعة حقيقية لمرحلة سابقة مليئة بالبطولات، وحتى مليئة بالمعجزات، ولكنها مليئة أيضاً بالمآسي والهزائم والخداع.

في ثنايا هذا النص أيضاً حديث عن التاريخ وفي التاريخ، ولكن بإيقاع ثوري فريد يعيد إلى الذاكرة الخطاب الثوري الفلسطيني الأصلي والأصيل، ويعيد إلى الذاكرة بيانات الجبهة الشعبية ووثائقها الأولى ونصوص الميثاق الوطني غير المعدل، وكأنها محاولة لبث الحياة من جديد في روحنا: «كانت وجهة نظر أبو عمار وفتح وعدد كبير من أعضاء المجلس الوطني وبعض الفصائل هي قيام دولة فلسطينية إلى جانب «إسرائيل»، أي قيام دولتين على الأرض، بينما كانت الجبهة الشعبية تريد دولة على الأرض مع الاستمرار في النضال من أجل إزالة هذا الكيان الصهيوني البغيض»xii. هكذا يذكرنا الحكيم، بما قاله مرة الشهيد عماد مغنية، عن الهدف الذي علينا ألّا ننساه أبداً وأن نعمل من أجله كل لحظة، وأن نضحي في سبيله بكل شيء: «الهدف واضح ومحدد ودقيق: إزالة «إسرائيل» من الوجود».

 

الخروج من اللد: ولادة الثائر جورج حبش

يوم الإثنين الموافق 24 أيار/مايو 1948، دَوَّنَ دايفيد بن غوريون في مذكراته: «علينا تنظيم مجموعة الألوية الجديدة وتعزيز [الألوية] القديمة. وينبغي إقامة لواء من أفراد «كرياتي» بقيادة لرر [تسادوك]. لدى تسلم المدافع، يجب تدمير الرملة واللد فوراً»xiii. بعدها بأسبوع، في 30 أيار/مايو 1948، سَيَرِدُ ذِكر اللد والرملة مرتين في تدوينات بن غويون لذلك اليوم: «أثرت مسألة الرملة - اللد، إذ إن هاتين النقطتين خطرتان من جميع النواحي، ومن شأنهما أن تشكلا قاعدة للهجوم على تل أبيب والمستوطنات و[الطريق] إلى القدس. وفي مقابل ذلك، فإن احتلالهما يحرر مناطق وقوات ويعزل خطوط المواصلات العربية. أليس من المجدي خفض قسم من القوة الناشطة في الشمال «البعيد»؟ بموجب الخطة - المفروض على «كرياتي» أن ينشط ضد اللد هذه الليلة، علاوة على القليل من الإزعاج [المدفعي] للرملة»‏xiv. وفي مساء ذلك اليوم (30 أيار/مايو 1948)، خرج بن غوريون مسرعاً من جلسة الحكومة قبل أن تنتهي متوجهاً إلى «رامات غان» حيث القيادة العامة (الساعة السابعة مساءً) عقب وصول برقية في شأن قرار مجلس الأمن المتعلق بوقف إطلاق النار في اليوم التالي، واستدعى «يغئيل [يادين]، ويوحنان [راتنر]، ويسرائيل [غاليلي]، واقترح[ت] عليهم أن نرسل إلى ييغال [آلون] فوراً أمراً بأن ينزل مع كتيبة واحدة غداً فجراً كأقصى حد، كي نتمكن من احتلال اللد والرملة، إذا تمكنوا من احتلال اللطرون، وأن ينقلوا كتيبة أخرى إلى القدس هذه الليلة من أجل ضمان صمود القدس والسعي لإزعاج المثلث من جنين وطولكرم [كي] يحين موعد بدء وقف إطلاق النار - إذا انصاع له العرب هذه المرة ـ ونكون في وضع أفضل مما نحن عليه الآن»‏xv.

 

نص الحكيم الأخير يصلح أن يكون بياناً ثورياً يؤسس لمراجعة حقيقية لمرحلة سابقة

 

ورغم انشغال بن غوريون بجبهتي الشمال والجنوب المشتعلتين بشدة حينها، إلا أن جبهة الوسط (حيث اللد والرملة) كانت الأكثر إثارة للقلق لديه، كما تشير مذكراته. وكما يتضح من يوميات الحرب التي تركها. فالحرب على اللد والرملة كانت جزءاً أساسياً من حرب القدس، و«حرب القدس هي حرب أرض إسرائيل»، يقول بن غوريون، «لا بسبب أهميتها التاريخية فحسب، بل لأسباب استراتيجية أيضاً، والحرب ليست من أجل طريق القدس فحسب. لا يكفي طريق بين تل أبيب والقدس من أجل إحكام سيطرتنا على القدس. هناك حاجة إلى امتداد جغرافي. وقد ثبت في هذه الحرب أنه لن تقوم للقدس اليهودية قائمة من دون ارتباط ما بالدولة اليهودية ذي امتداد إقليمي»xvi. لهذا بالضبط أثار بن غوريون قضية اللد والرملة منذ البداية في إحدى جلسات «القيادة» في 11 أيار/مايو 1948: «أبديت ملاحظتين: (1) تدمير الجزر العربية في المستوطنات [في المناطق] اليهودية (الرملة - اللد، وبيسان، وزرعين) التي تشكل خطراً خاصاً في حال الغزو، ومن شأنها أن تفرض إشغال قوات؛ (2) تسليح القدس بصورة متزايدة - حتى لو استمرت الهدنة، [وذلك بسبب] أهمية القدس في حد ذاتها»‏xvii.

اللافت للنظر في تدوينات بن غوريون هذه، وغيرها الكثير، ليس الحديث الواضح عن «التدمير» و«التدمير الفوري» و«تهجير العرب»، بل إنهم قاموا بذلك فعـلاً. لهذا كانت المجازر أولاً، كما حدث في مسجد اللد حيث احتمى المدنيون العزَّل قبل أن تقوم العصابات الصهيونية بقتلهم في مجزرة رهيبة أصبحت موثقة في الأرشيفات الصهيونية رغم أننا لا نحتاج إلى ذلك لنعرف أن أهلنا قد ذبحوا هناك بلا رحمة (500 مدني تقريباً، برغم الاعتراف الصهيوني بما بين 200 و300)‏xviii ، وكان كذلك القتل العشوائي أيضاً وإطلاق النار على أي شيء وكل شيء أثناء محاولة احتلال اللد والرملة. في ذلك اليوم (11 تموز/يوليو 1948) فشلت الكتيبة الثالثة للبلماح من اقتحام دفاعات اللد التي أقامها أهلها والمتطوعون من القوات الشعبية، فقام ييغال آلون بإرسال اللواء الثامن (الكتيبة الثامنة والتاسعة) بقيادة موشي ديان. فدخلت، كما تروي الأرشيفات الصهيونية نفسها، «عرباتهم نصف المجنزرة، عربة مدرعة، وسيارات جيب عسكرية يعتليها مدافع رشاشة، مسرعة جنوباً من طريق بن شيمين باتجاه اللد ووصلت أطراف الرملة - ثم استدارت عائدة حول اللد إلى بن شيمين. استغرقت الغارة سبعاً وأربعين دقيقة. ويظهر أن القوات كانت تطلق النار على أي شخص في طريقها»‏xix. ويذكر أحد أفراد العصابات الصهيونية ويدعى «جدعون» في شهادته: «كانت سيارة الجيب العسكرية التي أركب فيها تقوم بالدوران أمام مدخل أحد المنازل، وفي المقابل كانت طفلة تقف وتصرخ وعيونها مليئة بالخوف والفزع. كان جسدها ممزقاً وينقط دماً، وحولها كانت جثث أفراد عائلتها ملقاة على الأرض. [ثم تساءلت] هل أطلقت أنا النار عليها؟ ولكن لماذا هذه الأفكار، فنحن في أوج معركة، في أوج احتلال مدينة. العدو في كل زاوية. الجميع أعداء. اقتل! دمر! اذبح! وإلا سوف تُقتل أنت ولن تستطيع احتلال المدينة»‏xx.

عقب سقوط اللد والرملة وطرد من بقي حياً من أهلها العرب بالقوة، بدأت مسيرة طويلة وصعبة في أشد أيام العام حرارة على الأقدام باتجاه رام الله - تشبه إلى حد بعيد «مسيرة الدموع» التي سارها سكان أمريكا الأصليون المطرودون من وطنهم في جنوب شرق الولايات المتحدة باتجاه الشمال الغربي. وفي أثناء المسيرة سقط العشرات من سكان اللد الصغيرة من الأطفال والعجائز من العطش والجوع والحر وكانت جثثهم ملقاة على جوانب الطريق إلى رام الله - يذكر الحكيم الذي عاش كل تلك الأيام بتفاصيلها المؤلمة أن كتاب «الطريق إلى بئر السبع» للإنكليزية إيثيل مانين‏xxi التي تصف رحلة الخروج المؤلمة من اللد والمسيرة إلى رام الله وعذاباتها، ليس فيه «أي مبالغة، بل أستطيع القول إن المأساة كما عشتها كانت أكثر حدة مما أظهرته تلك الرواية»‏xxii.

لكن من يقرأ الرواية يعرف أن أكثر ما شد الحكيم إليها، ربما، ليس التفاصيل المؤلمة لسقوط اللد أولاً ثم الترحيل القسري لأهلها، فتلك تجربة عاشها حبش لحظة بلحظة. لكن في كتاب مانين ما يلفت الانتباه من إصرار على التمسك بالوطن وعدم اليأس رغم كل ما حصل، ويبدو أنها كانت فعـلاً تدور في خاطر الحكيم حينها. فتقرأ على لسان بطرس منصور: «لم يستطيعوا أن يقتلونا. لم يقتلوا منا إلا الطاعنين في السن فقط والصغار جداً. لقد أخرجونا إلى البرية لنموت كالكلاب ولكننا لم نمت. إننا لم نزل هنا. معظمنا على الأقل»‏xxiii. والأهم، تقرأ على لسان وليد، أحد

63 عدد مرات القراءه