الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

راديو فيليبس صغير .. مروان علي

نوفمبر 05,2018 بقلم

image

كان ذلك في منتصف السبعينيات، اشترى أبي راديو فيليبس صغيراً مستعملاً بخمس موجات، من تاجر أرمني كان قد عاد للتو من لبنان. وكان هذا الجهاز الصغير الذي رأيناه للمرة الأولى في كرصور حديث القرى المجاورة. جلب هذا الراديو السعادة لبيتنا والبيوت المجاورة، كان أبي يرفع الصوت حين تغني فيروز في الصباح وفي المساء حين تصدح أم كلثوم «الأطلال»، «دارت الأيام»، «سيرة الحب»، «أنت عمري» ويتنهد مع تنهيدات الست.

لم ينم أبي ليلتها ولم ننم أيضاً بسبب العدد الكبير من الزوار الذين جاؤوا من نيف وسهر مكه وبيبرا بازن وكرديوان وقوشانه وقوتكي وكوتيا وقوجي ليستمعوا إلى أخبار العالم من إذاعة لندن. ما زلت أتذكر صوت المذيع الجهوري بعد دقات ساعة بيغ بن الشهيرة «هنا لندن»، حتى إن عمي جميلو قفز من مكانه كالملسوع وصرخ: هنا كرصور وضحك الجميع ونفخوا دخان سجائرهم بسعادة في الهواء.

لكن فرحتنا لم تكتمل بعد أيام قليلة حضرت دورية من الدرك، نزل مدير الناحية علاوي السطم من سيارة جيب عسكرية، وطلب من الشرطي الذي كان يقود سيارة أن يقوم بتحطيم الراديو أمام أبي وأمي وكل أهالي القرية الذين تجمعوا أمام بيتنا الطيني في كرصور، لأن أحد الوشاة من القرى المجاورة والمعروف بتعامله مع الدولة (الشرطة والمخابرات) كتب تقريراً لمدير الناحية في عامودا.. أن أهالي كرصور والقرى المجاورة يتابعون من خلال هذا الجهاز الصغير أخبار الثورة الكردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني في جبال كردستان العراق البعيدة.

خلال الأيام القليلة، كان هذا الراديو الصغير مصدر سعادة لكل أهالي القرية.. يستمعون، وهم يشربون الشاي ويدخنون التبغ الكردي المهرب، لأغاني محمد عارف جزراوي ومحمد شيخو وسعيد يوسف وتحسين طه التي كانت إذاعة بغداد التابعة للحكومة العراقية تبثها في فترة البث باللغة الكردية، بالإضافة إلى أغاني أم كلثوم وناظم الغزالي ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وفيروز وسميرة توفيق وفهد بلان طبعاً.

وبقيت لأيام، نلعب أنا وأطفال القرية، ببقايا الراديو المكسور والقطع الصغيرة التي تناثرت في باحة البيت ونبحث بقوة عن الأغنيات والأصوات التي كانت تنبعث منها دون جدوى وضاعت في سماء كرصور.

 

شيركو

كنت طفلاً سعيداً جداً، قتلت ألف عصفور، وخربت أكثر من ألف عش لصغار العصافير ورميتها لقطتي الجائعة التي تحب لحم العصافير مثل أمي.

كان أبي يضربني وأمي ومعلم المدرسة وجارتنا أموكي.

كنت طفلاً سعيداً أحب الموسيقى.. صنعت طنبورتي من علبة حلاوة فارغة وغنيت (بوكي دلالي) لمعلمتي اللبنانية التي طلبت مني أن أتعلم أغنيات عصام رجي وسمير يزبك وعازار حبيب وقلت لها: تكرم عيونك الحلوين..

وبعد أسبوع عزفت لها وغنيت: صندلي يا صندلي.. بدي دوا إلها.. بدي دوا إلي، ولم تفهم كلمة واحدة وضحكت حتى وقعت على ظهرها ورأيت سوتيانها وما تحت التنورة القصيرة جداً..

أنا شيركو ضربت مروان ابن عمي علي الذي يكتب عني الآن ألف مرة وسأضربه إذا عاد من ألمانيا ثانية. لكنه جبان يخاف مني ومن المخابرات لذلك لن يعود أبداً. سيموت هناك في أمستردام وسأبكي عليه هنا في كرصور.

 

 

ناصر غَازِي زادَهْ «مُتَجَرِّدَانِ» (زيت على قماش، 2016)

 

أمي

صورة أمي وهي تنتظر القادمين، تضع يديها اليمنى فوق جبهتها كي ترى بوضوح أكثر، منتصف نهار الجمعة من شهر آب ١٩٩١، في انتظار إسماعيل وزينب وهكار. البيت نفسه. الطريق الترابية نفسها. العائدون في بيك أب حسينو من القامشلي. قطعان الغنم بين كرصور ونيف. الجكجكان (هزاز الذيل الذي يظهر في الصيف فقط) الذي يفتح جناحيه قرب الفخ أكثر من مرة، ثم يطير بعيداً. شجرة التوت. بقالية «جمال». علب السردين التي في مكانها منذ سنوات. حكايات «نص الدنيا» وعضلاته واسم حبيبته الذي على زنده. بنات نيف السرسريات. كاسيت فراس بافي فراس الجديد. سعود، محمد خير، عبد الباسط، فتح الله، لازكين، فيروشاه، أديب.. حقيبتي التي عليها صورة الطيارة وغودباي بالإنكليزية. أنا الذي لم أعد هناك في كرصور.

 

شعر

حتى اليوم في الأمسيات الشعرية وأنا أقرأ قصائدي.. ابحث في الصف الأول عن أصدقائي الْعَتَّالِينَ وأصحاب الدراجات النارية في قدوربك والعشاق الذين وقعوا في حب مديحة كامل ونجلاء فتحي.

 

القرى

كانوا مهووسين بتعلم اللغات الأجنبية، أبناءُ المزارعين الذين يسكنون بيوتاً من الإسمنت، بينما كنا نجيد لغة الغيوم والأزهار البرية والعصافير وطيور القطا، نحن أبناء البيوت الطينية والنوافذ المكسورة والأبواب المفتوحة في انتظار الضيوف..

 

دموع

رأيت دموع حصادة الجوندير الخضراء في نهاية موسم الحصاد. المعلم زيدان يؤكد: — الحصادات تبكي أيضاً.

ولم نكن نعرف هل هي دموع الحصادة أم دموع الغزالة الصفراء فوق غطاء المحرك. وفي نيسان تضحك الحصادات كثيراً، يمكنك أن تسمع ضحكتها وأنت تتأمل الشمس فوق حقول القمح في هضبة بيرا بازن.

 

أبي

كان المزارعون الكبار يحبون أبي الفقير، هؤلاء الذين يسكنون في بيوت عالية وكبيرة في القامشلي وزوجاتهم جميلات ومثيرات في الليل.. ترتاح حصاداتهم الجوندر وتركتوراتهم وشاحنات التويوتا والشيفروليه قرب بيتنا الطيني الصغير مع اقتراب موسم الحصاد.. في الصيف، صيف وقمح وأحلام كثيرة. صيف وبحر ونساء مثيرات في اللاذقية وطرطوس وبيروت. صيف ليس لنا منه نحن الفقراء، غير الشمس الحارقة والذباب.

 

سوء فهم

تعلمت من الماركسية أن الأغنياء يسرقون الفقراء.. ولكن جارنا الغني كان يعطف علينا جداً ويحبنا ويشتري لنا أحياناً أشياء جديدة، عدا عن الأحذية والثياب القديمة التي كانت زوجته كل شهر تعطيها لأمي. وكنت أفسر ذلك بأنّ الحرامي يعيد لنا قسماً مما سرقه منا، لدرجة كنت أشعر أنّ سيارة مازدا ٦٢٦ التي يركبها هي سيارة أبي وستعود لنا يوماً.

 

جليلة

عُرِف رمزان بشغفه بالرسم وبناء البيوت الطينية الجميلة، البيوت التي بناها في كرصور ونيف وعلي فرو وكوتيا وشدي وبيرا بازن وقوشانه وكرباوي وقوتكي.. تشهد له.

نوافذ وأبواب لا مثيل لها.. غرف صغيرة للأطفال، وكبيرة للضيوف ومخازن سرية للتبغ المهرب من كردستان تركيا..

فجأة ترك كل شيء، الرسم والزخارف والأبواب والنوافذ والبيوت الصغيرة والكبيرة. زعل من الهواء والأشجار والعصافير وأسراب القطا. لم يعد يراه أحد. لا يخرج من بيته.

ذات مرة وفي الليل، أخذ زوجته الجميلة «جليلة» وزرعها في قطعة أرضه الصغيرة بين علي فرو وكوتيا. قال: أريدها أن تزهر كأشجار الدراق في جبال طوروس، أريدها أن تظلل القرى بعطر جسدها وأن تعطي الأرض دروساً خاصة في الحُبِّ، وأن تغني للعابرين الذي لا أحد ينتظرهم.

 

آرام

عرفت أرمينيا من خلال القسم الكردي في إذاعة يريفان وأغنيات آرام ديكران ومحمد عارف جزراوي وعيشه شان ومن خلال وجوه الأطفال الصغار خلال قداس يوم الأحد في كنيسة للأرمن في القامشلي.

عرفت أرمينيا من خلال شقيقتي الصغيرة «هايستان» التي أطلق عليها أبي هذا الاسم من شدّة حبه لأرمينيا.

عرفت أرمينيا من صورة «الإبادة الأرمنية» التي روت لي جدتي كوجري قسماً من فصولها وهي تبكي وماتت قبل أن تكمل لي الحكاية.

عرفت أرمينيا في القامشلي، في حلب، في دمشق، في بيروت، في أمستردام وفي أربيل..

عرفت أرمينيا من خلال صديقي بوغوص في مقهى القصر الذي كان يرفع رأسه وينفخ دخان سيجارته في الهواء ويقول: — إذا تعرف الملك الأرمني العظيم ديكران..

 

سمر

فجأة انتشرت محلات «النوفوتيه» في القامشلي، الكلمة فرنسية بالتأكيد، هكذا أخبرني صديقي بنكين وهو يمسح الزجاج الخارجي لمحله، وكان قبل ذلك رتب الموديلات الجديدة في واجهة «النوفوتيه» بعناية كبيرة. تنانير قصيرة جداً (ميني روك)، جوارب نسائية رقيقة جداً، قمصان شفافة تكشف أكثر مما تخفي، أنظر إليها وأتذكر قفطان أمي.

تقف بنت جميلة مثل قصيدة حب أمام الواجهة الزجاجية الكبيرة، تشبه كثيراً أورنيلا موتي التي كنا نتابع حلقات مسلسلاتها المصورة في مجلة «سمر».

هل هي صدفة أن تلتفت إليها صديقتها: — سمر تأخرنا كثيراً.

 

بيتها

كان بيتها قرب الحديقة العامة.. في الصيف تجلس على كرسي خشبي في حديقة البيت الصغيرة. سمعت ضحكتها وحفيف قميصها الأبيض الرقيق. تهدمتُ. تناثرتُ على الأرض. سقط قلبي بين أشجار الحديقة العامة. حملت قلبي بيدي. ووضعته في القفص الصدري. خلف الرئة بقليل ووضعت العين اليمنى في مكان اليسرى واليسرى في مكان اليمنى. استجمعت شجاعتي وسرت في الشارع الجانبي الذي يمر قرب حديقتها الصغيرة. سمعت أصواتاً غريبة. كانت أشجار القامشلي كلها تسير خلفي.

 

أخي الصغير

أبي يمسك بيدي وأمي تمسك بيد أخي راكان. ننتظر «تكسي بكرو»، خلفنا قصر أصفر قديم وأشجار التوت ألتفت كثيراً نحوها. هي جركين اسم غريب لا أحد يعرف عنه شيئاً ولا عن سكان القصر. وأمامنا مدرسة صقر قريش، ابتدائية صفراء مثل سحنات المعلمين ومدير المدرسة الذي له مهمة واحدة. ضرب التلاميذ بخيزرانة يحملها في يده حتى عند انصرافه من المدرسة.

لم تصل تكسي بكرو، لا أخبار عنها. كنا في طريقنا إلى سوق القامشلي لشراء ثياب جديدة لنا، وأمي تشتهي أن تأكل الكباب الحلبي في مطعم دمشق، أمي مدللة فهي حامل في الشهر الأخير. وأبي ينتظر ابنه الثالث ولا يبخل على أمي بشيء.

لم تصل سيارة بكرو، ومع ذلك ننتظر بسعادة. يقول أبي: — سيأتي بكرو، هو بسبعة أرواح، رصاصات الجنود الأتراك الذي يطلقون الرصاص على المهربين في الجانب السوري من الحدود مرت قرب أذنه.

حتى يأتي بكرو وتأتي سيارة تسير مثل سلحفاة أو ربما أسرع قليلاً، أفكر في شكل أخي الجديد، أتخيله جميلاً وبشعر أصفر، ويركض فور خروجه من بطن أمي.

 

فالنتينا

من أجل «فالنتينا» حضرتُ عشرات الندوات الحزبية المملة وهتفت لخالد بكداش (بينما كنت أحب الملا مصطفى البارزاني) وللبروليتاريا ضد البرجوازية رغم أن عمي البرجوازي كان له الفضل في بقائي على قيد الحياة وإتمام دراستي، بالإضافة إلى التبرعات التي كنت أقدمها (حين يقدم لي المعونة الشهرية) للحزب البروليتاري.

وأتذكر قال لي مرة: — يول عيب عليك تشتم البرجوازية. وبرجوازية عمي بيت مكيف من الإسمنت في الحارة الغربية من القامشلي وبيك آب مازدا و١٥٠ رأس غنم ورغبة قديمة في الزواج من امرأة تفوح منها روائح وعطور بدلاً من رائحة البصل التي تفوح من زوجته.

 

الطريق

في طريقنا للعودة من القامشلي إلى كرصور كنا نمر قرب مدرسة زكي الأرسوزي وشعبة الحزب ومدرسة عربستان وتمثال قديم لحافظ الأسد ثم الحديقة العامة والهلالية..

أقف مستنداً إلى أبي الذي يتحدث عن القمح وأكياس الخيش الفارغة مع سليم حاج حسو، ويدخن بشراهة. أنظر السماء، الشمس فوق القامشلي لنا. رائحة القمح وهدير حصادات الجوندير على أطراف جركين لنا أيضاً. هناك أطفال يلعبون قرب البيوت الطينية المتناثرة التي شيدت على عجل، مثل أحلامنا تماماً.

 

فلسطين

زرت مخيم اليرموك مرة واحدة. البنت الفلسطينية السمراء نظرت نحوي بخفر، خجلتُ أن أنظر إليها في البداية. وحين استجمعتُ شجاعتي والتفتُّ، كانت قد اختفت..

 

القصيدة الأولى

القصيدة الأولى كتبتها على جدار بيتنا الطيني في كرصور، وقرأتها لأمي وأختي عيشانه وحقل القمح وعصافير الدوري في باحة البيت.

أسراب القطا تحلق عالياً فوق كرصور، في طريقها نحو الهضاب القريبة في بيرا بازن وكيستك، أتأملها بحرقة مثل أم رأت ابنها الجندي في شاحنة روسية قديمة تنقل الجنود إلى الحرب. أحبّ العصافير في سماء كرصور والأزهار بين حقول القمح في هضابها والذين يعودون إليها من المدن البعيدة منهكين وحين يضعون رؤوسهم على حجارتها ينامون بسعادة.

* آسن/سوريا

19 عدد مرات القراءه