الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

ظاهرة النقد الرعاعي

نوفمبر 04,2018 بقلم

image



أحمد برقاوي 4 تشرين الثاني / نوفمبر،2018

يستطيع الفرد أن يقول بكل ثقة: إن الثورة من أجل الحرية والكرامة هي حالة من النزاهة. أجَل، الثورة تخلقها النزاهة الثورية، وتخلق النزاهة أيضًا.

والنزاهة هنا عامة، في القول والسلوك العملي والأهداف العظيمة. والنزيه الثوري هو المتحرر من أي مصلحة شخصية بانضمامه إلى الثورة، والمتعفف عن الكسب من جراء اندراجه في الثورة. والمؤمن بقيمة ما يذهب إليه.

ونحن نشهد في الحياة اليومية التعبيرية ظاهرة النقد المتبادل، لدى اتجاهات المعارضة السورية، الذي يتناول سلوك الأفراد ومواقف الجماعات، ويصل إلى حد التجريح، ويتجاوز معنى النقد كحالة طبيعية وضرورية، وربما كانت هذه اللحظة حالة مألوفة في الثورات، قبل أن يعود النقد إلى هويته الطبيعية، بوصفه مدخلًا للوعي والتجديد. وليس هذا فحسب بل إن التطاول على الأفراد، بسبب أي خلاف غير سياسي، صار حالًا شبه عادية، والقول في تفسير أمرٍ كهذا قولان:

أولًا: لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون الانتباه إلى أن الثورة، بوصفها تعبيرًا عن الحرية، قد فجرت في الذوات الشعور العاصف بهذه القيمة، والفرح بها، وبالتالي ولّد هذا الشعور بالحرية الشعورَ بالسيادة والإحساس القوي بالفردية والمساواة بامتلاك هذه الأنماط من الشعور. وإذا عرفنا أن هناك أربعين عامًا ونيف من سيطرة “النعم”؛ أدركنا قوة انفجار “اللا”.

فضلًا عن ذلك، فإن الثورة، بما هي حقل اختلاف واتفاق، أعادت الحياة إلى حالها الطبيعية، بعد الغياب القسري الذي دام طويلًا. أعادت الشعور بالاختلاف والتعبير عنه بحرية. غير أن هناك خطرًا على الاختلاف من قوى ذات نزعة شمولية دينية، وهو يشبه الخطر الذي أودى بالاختلاف، أو حال بينه وبين الظهور زمن الدكتاتورية، فالنقد الذي ينطلق من الوعي الشمولي ليس نقدًا، ولا يؤدي وظيفة النقد، بل هو سلوك نافٍ للآخر، فلا يعود للآخر الحامل الهمَّ نفسه، حضور لدي الشموليين.

ثانيًا: إن السلطة الحاكمة، عبر عنفها المستمر طويلًا، وأسلوب إهانتها لكرامة الشخص بأشكال متعددة ،قد حطمت قيمة الاحترام للفرد. فالاحترام للفرد -الأنا هو نمط من الاعتراف بقيمة الآخر وبكرامته الشخصية.

إن الذي تربى في وسطٍ ماتت فيها قيمة الاحترام، وشبّ على ذلك، يعكس -عمليًا- وعيَ أفراد السلطة المستبدة بالآخر. والثورة بعمرها القصير لم تستطع أن تعيد ثقافة الاحترام صورةً للسلوك، فإذا الثوري أو المنتمي روحيًا إلى الثورة أو المتشبه بأخلاق الثورة، كائن يلغي الآخر المختلف، والإلغاء غير النقد.

ولقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي فرصًا كثيرة لظهور هؤلاء الإلغائيين، عبر اللغة السوقية المعبرة عن غياب القيم الإيجابية التي كان من الطبيعي أن تعيدها الثورة إلى الحياة.

فالعنف اللغوي، وهو من صفات الرعاع، صار عامًا، إلى درجةٍ قد تجده عند أكاديمي وصحافي وكاتب إلخ.

كيف يمكن النيل من شخصٍ، دخل السجن دفاعًا عن الحرية قبل الثورة، وكان أول من انضم إلى ثورة الساحات والشوارع، وكتب وعبّر عن انتمائه بكل شجاعة ومن دون لبس.. أقول كيف يمكن أن يكون هذا الشخص موضوعَ شتيمة، بسبب أن له وجهة نظر عملية لا توافق آخر؟

عندي، لا ينفع الآن، ولا فيما بعد، إصدار المواعظ للتخفيف من الذهنية الرعاعية في التعبير عن الاختلاف. ولا أحد يستطيع أن يمنع رعاعيًا من أن يظهر رعاعيته، فالمسألة تحتاج إلى وقت طويل، للقيام بعملية ترميم القيم المفقودة، فعندما ينتصر مجتمع الاختلاف سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا وأيديولوجيًا؛ يعود النقد إلى مجراه الطبيعي، بوصفه تعبيرًا عن الحرية وانتصار الأنا.

13 عدد مرات القراءه