الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 (2) .. عادل الأسطة

نوفمبر 01,2018 بقلم

image

حين يلقي المرء نظرة على الدراسات الأدبية التي أنجزها الدارسون العرب والفلسطينيون حول الرواية الفلسطينية قبل العام 1948 يقرأ كتابة لا تعطي تصورا واضحا حول الأعمال الروائية التي صدرت، والسبب يعود إلى عوامل موضوعية بالدرجة الأولى، فأغلب ما صدر من روايات بقي في فلسطين ومكتباتها ولم يتمكن أصحابها في فوضى الأحداث من نقل كتبهم معهم (أبو مطر ورأي عيسى الناعوري، ص50). وحتى النسخ القليلة التي كانت بحوزة بعض الدارسين - مثل الدكتور الأردني ناصر الدين الأسد - ضاعت، مع مرور الأيام، منه، فقد درس رواية "الوارث" وحين سألناه عنها، بعد 50 عاما، لم يعثر عليها.

وما على المرء سوى أن يلقي نظرة على كتاب أحمد أبو مطر "الرواية في الأدب الفلسطيني" 1980 حتى يتأكد مما أذهب إليه.

وعليه اعتمد دارسون آخرون حظيت كتبهم بتلقٍ لافت، مثل فاروق وادي في "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية" 1985.

إن المدخل الذي كتبه كل من الدارسين - أبو مطر ووادي - لكتابه، يقول لنا إن ما كتباه عن الرواية الفلسطينية الصادرة قبل 1948 ليس إلا كتابة هامشية اعتمدت في أكثرها على مراجع ثانوية وعلى ذاكرة القراء، بل إن عبد الرحمن ياغي في كتابه "حياة الأدب الفلسطيني حتى العام 1948" 1963، حين يذكر بعض الروايات، مثل روايتي جمال الحسيني، يذكر أنه قرأهما حين كان طالبا وأنه لم يتمكن من الحصول عليهما وهو يعد أطروحة الدكتوراه. (هامش ص 532).

وقد تمكن بعض الدارسين، في فترة متأخرة، مثل الدكتور إبراهيم السعافين (صدر كتابه في 1985)، من الحصول على بعض الروايات ودراستها، مثل رواية "الحياة بعد الموت "التي لم يدرسها ياغي وأبو مطر ووادي.

الدارسون الإسرائيليون كانوا أوفر حظا، فقد عثروا على بعض الروايات الفلسطينية في مكتبات الفلسطينيين ممن هاجروا، وهكذا مثلا درس شمعون بلاص روايتي جمال الحسيني وقدم لنا ملخصا لهما يشبه الملخص الذي قدمه ناصر الدين الأسد لرواية "الوارث" (صدر كتابه عن بيدس في 1963)، وبقينا عالة عليه حتى أقدمت دار الرقمية قبل سنوات قليلة على إعادة طباعة الرواية، فقدمت لنا خدمة جليلة، أتمتها بإعادة طباعة رواية "الحياة بعد الموت".

(لم يدرس بلاص في كتابه "الأدب العربي في ظل الحرب" (1984) سوى ثلاثة أعمال، فلم يكن عثر بعد على روايتي جمال الحسيني، ص12).

اعتمادا على الدراسات السابقة والروايات التي تمكنت من الإطلاع عليها، من نتاج تلك الحقبة، يمكن القول إن الموضوع الوطني الفلسطيني كان فيها ذا حضور ضئيل باهت، ويمكن الأخذ بما كتبه وادي ودارسون آخرون من أن الروايات أكثرها لم يمس الواقع السياسي والوطني الذي كانت فلسطين تمر به.

لقد قرأت شخصيا أربع روايات هي: "الوارث "و"الحياة بعد الموت "و"مذكرات دجاجة "و"في السرير". ويمكن ملاحظة الآتي حولها:

صدر في العام 1920 روايتان هما "الوارث "و"الحياة بعد الموت"، دارت الأحداث فيهما في الفترة الزمنية نفسها وهي 1914 حتى 1918 تقريبا، ولكن في مكانين مختلفين؛ ففي حين جرت أحداث الوارث في القاهرة، لا في الناصرة مدينة بيدس أو في فلسطين بلده ووطنه، جرت أحداث رواية البيتجالي في مدينته والأماكن المحيطة بها القريبة من القدس، وفي حين كتب الأول رواية لا صلة لها بتجاربه، كتب الثاني رواية عاش قسما من أحداثها. وعليه فإن البيتجالي لم يغترب عن مكانه، خلافا لبيدس الذي أخذ عليه قسم من الدارسين أنه اغترب عن بيئته وكتب عن اليهود في القاهرة لا عن اليهود الصهيونيين في فلسطين، وبذلك أبرز صورة اليهودي الشايلوكي لا صورة اليهودي المستوطن الصهيوني (وادي) وإن ذهب قسم آخر إلى أنه قصد اليهود في فلسطين وفي غيرها (بلاص ص12، ومحمود غنايم "المدار الصعب" ص 24).

وإذا صح القول إن رواية بيدس اغتربت عن بيئتها فإنه يصح القول إن رواية البيتجالي عبرت عن مكانها وزمانها تعبيرا جيدا وواضحا لا نعثر عليه في الأدبيات الفلسطينية أكثرها.

إن مقاربة حكم الأتراك لفلسطين لا نعثر عليه إلا في بعض قصائد شعرية وفي بعض اليوميات وغالبا ما كانت المقاربات خجولة لم تظهر قسوة الأوضاع في فلسطين في نهاية الحكم العثماني.

اختلف اسحق الحسيني في أنه كتب رواية عالجت الصراع بأسلوب رمزي يذكر بكتاب "كليلة ودمنة"، علما أن المؤلف حين لم ترق له التأويلات رد موضحا أنه لم يلجأ إلى الرمز (تأويل وادي مثالا)، وإذا ما أخذنا بالتأويلات الرمزية - وشخصيا آخذ بها - فإن الرواية عالجت الموضوع الوطني الفلسطيني وقاربته مقاربة لم ترق لفلسطينيين كثر (وادي، وعبد الحميد ياسين في "مذكرات ديك").

يبقى محمد العدناني في روايته "في السرير"(1946). إن الرواية السيرية للعدناني لا تقارب الموضوع الفلسطيني مقاربة تستحق أن يشار إليها.

اعتماداً على ما سبق يجب الوقوف على روايتي جمال الحسيني اللتين درسهما بلاص وسيظل ملخصه مرجعيتنا حتى نقرأ الروايتين نفسيهما فعلام ركزتا؟

تركز الروايتان على الموضوع الاجتماعي دون أن تغفلا موضوعا أرق الفلسطينيين في حينه وهو موضوع بيع الأرض لليهود. وتجري أحداث الروايتين في صيف العام 1929 حيث كانت فلسطين تشهد مظاهرات واحتجاجات وإضرابات ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية وسعيهما لتنفيذ وعد بلفور.

وفي رواية "ثريا"، اعتمادا على الملخص، حضور وعي سياسي فلسطيني مبكر لتهويد فلسطين. هنا تقول الرواية ما عبر عنه إبراهيم طوقان في شعره، وما ظهر في مسرحية محمد عزة دروزة "الملاك والسمسار "(1934 )، وهذا ما لم نلحظه في "الوارث "و"الحياة بعد الموت "و"في السرير" وروايات أخريات عالجت موضوعات اجتماعية ودينية. ولعل الموضوع يحتاج إلى مزيد من الحفر.

14 عدد مرات القراءه