الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

والله اشتقنا لك يا حلب .. ابو زيد حموضة

اغسطس 09,2018 بقلم

image

هي العنقاء تنهض من بين الركام بكل عنفوان وتحد

لاستكمال مسيرة ليننغراد وبور سعيد وبيروت وهوشي منه ..

والصورة لاحد فناني حلب الذي جسد من ركام بيته تمثال الحرية المنتصر

لكافة الشعوب المحتلة والمقهورة

تجربة خاصة جدا عشتها فترة دراستي بحلب،

في خبر نشرته صحيفة ( الوطن ) السورية مفاده: بعد توقفها لأكثر من 50 عاما، دقت ساعة حلب الشهيرة في باب الفرج إعلانا عن الانتصار على الإرهاب في سوريا، وإيذانا بإعادة انطلاق عجلة الحياة في هذه المحافظة السورية المهمة. وهذا ما اسعدني وابهجني لأني اعّدُ نفسي ابنا لهذه المدينة العريقة التي فتحت لي ابواب جامعتها منتصف سبعينات القرن المنصرم .

الحديث عن حلب البطلة ليس سهلا، لكن احاول ان اغوص في مياه الذاكرة علّي اترك أثرا لأحفادي وأبنائي عن حلب الشهباء، فحلب تعني البيضاء في السريالية، والشهباء مشتقة من الشهب البيضاء او لبياض تربتها وحجارتها.

كانت تعاني المدينة من ازمة المياه التي كانت تمر بها الشهباء (حلب) عام 1975 الا أن الّجبس ( البطيخ ) الحلبي توأم بطيخ مرج بن عامر / فلسطين، جبسها صيفا يروي ظمأ العطشان لحلو مذاقه.. كنت ترى الجبس مكوما فسط ( منتصف ) حلب وعلى جنبات الطرق أينما يممت وجهك، لكن منظره الاجمل للرائي على الطنبر ( عربة )  تقاد بالخيل او بعض الدواب الذين هموا أشرف وأكثر انتماء لبلدهم مما سموا أنفسهم ( ثوار ) ( شبيحة الناتو والخليج) الذين سيقوا كالدواب، وخاضوا حروب الاطلسي بالوكالة، فشنت الاستخبارات الأميركية أكبر حرب في تاريخها. خصصت لوحدها مليار دولار للارهابين لارتكاب مذابح مذهبية وتدمير مؤسسات الدولة واسقاط كل شيء وتهجير الشعب، وهذا ما كشف عنه الكاتب السياسي وليام فان فاغينين في مجلة مركز أبحاث «ليبيرتاريان».

في فترة دراستي في جامعة حلب، 1975/ 1980، ومكوثي في المدينة 5 اعوام من عمري كانت الايام الاروع في حياتي، أقمت بحي السبيل القريب من الجامعة. في حلب كل شيء جميل وآسر بحيث تحتار من أين تبدأ الحديث عنها، ففي مثل هذه الايام كنت تشتري الكرز والبوظة والفستق الحلبي الطازج، تطرب للباعة وهم يغنوا لها بصوت أجش  ( مشأشأه مشأشأه  يا خيو )... كنت تأكل أجمل الحلويات من حلويات المستت المشهورة، خاصة النواشف منها، فالكنافة عند الحلبيين تسمى ( بين نارين ) وشبيه بالنابلسية بدون صبغة، لكنها لذيذة كالجبنة المجدلة ولبن عيران والمدخن منه الذي يوضع في أوعية خشبية، ولذيذة بلذة اليبرأ ( ورق الدوالي ) ومربى الورد الجوري والتين والمشمش.

في حلب، مثل هذه الايام، تنشط معارض القطن والاثاث والزجاج والخزف وصابون الغار وغيرها، وتحضر حفلات منتزه السبيل، والقلعة التي حضرت فيها حفل للسيدة فيروز وصباح فخري وأخر لليوناني ديمس روسو، وكنت تتسوق البسطرما والسجق والنقانق من مطاعم الاكراد، وتأكل الكبة النيئة والمشوية بالسيخ من مطاعم الارمن، وتأكل الكباب من مطاعم السنة، والميمونية فجرا من مطاعم الشيعة، والفول من عند كذا والككتيل من عند كذا.... لا أحد يهتم بالعنصر، او العرق، او الطائفة، فالكل يعمل بهمة ونشاط كأفراد عائلة تحت علم سوريا العظيمة، ولا يهمه هراء سني وشيعي وعلوي، الكل يشارك الكل في الاعياد والمناسبات، والكل يراكم للوطن، لكن الامر لا يخلو ربما من الفساد والرشاوي والامتيازات والفوارق  في بعض الحالات، فسوريا ليست افلاطونية ( المدينة الفاضلة) لكنها جنة الله على الارض لتنوع مناخها وثرواتها وخصب ارضيها وموقعها الجغرافي وحيوية شعبها وانفتاحه. لهاذا اقام العدو الامريكي عنوة بعض قواعده العسكرية على أراضيها، وتدمير بعض مدنها كالرقة التي مسحها عن بكرة أبيها ببربرية وفاشية ومنع سكانها من الرجوع اليها لرغبته منه في استثمار  حقول النفط القريبة من المدينة والذي يقدر انتاج اصغر حقل فيها بأكثر من انتاج الكويت النفطي.

حلب لا تنام، فشارع التلل وأحياء البلد القديمة والمحطة والعزيزية وسيف الدولة والحديقة العامة ومخيما النيرب وحنضرات الفلسطينيين، وحي السبيل، والقلعة وباب الفرج و الجميلية وو . هي حياة تنبض، وتاريخ تليد، وجغرافيا متنوعة، واقتصاد قوي، وحضارة الحضارات، لا يمكن تناول دروس التاريخ دون التطرق لأقدم مدينة مأهولة بالسكان قبل 6 آلاف سنة قبل الميلاد، ولا لدروس الجغرافيا دون الحديث عنها كنقطة النهاية لطريق الحرير المطلة على البحر المتوسط، ولا تتجاهلها في السياسة كعاصمة سوريا قبل تتويج دمشق، ولا يمكن اغفالها اقتصاديا كعاصمة سوريا الاقتصادية، ولا يمكن غض الطرف عنها راهنا ولا مستقبلا لأن معركتها كانت المفصل في مستقبل المنطقة والامة العربية في هزيمة قوى الارهاب العالمي والعدوان الاطلسي وكسر المحور الصهيو/أمريكي المتحالف مع عملاء الخليج والسعودية وتركيا.

مدينة حلب حياة وروح، تسعد وتنتشي لمجرد وجودك في هذه الجنة النابضة بالبشر ليل نهار، هذا من أسرار استهدافها، وتهجير سكانها وارتكاب المجازر فيها بالحجر والبشر والشجر على طريقة ما اقترف الصهاينة في حيفا ويافا، من ترهيب وتدمير واقتلاع ومجازر واحلال.

الجائل في حلب يرى الكنائس بجوار الجوامع، والمتاحف، والفنادق، فثمة الجامع الاموي الكبير في البلد القديمة الى جامع الروضة الحديث في حي السبيل، الى الكنائس التاريخية للطوائف المسيحية المتعددة، الى كنيس يهودي في الجميلية، الى المتحف الوطني الى المكتبات، لذا فحلب تعمدت في تنوعها الطائفي والاثني والحزبي مما عكس نفسه على ثقافتها وفنونها وصناعتها وغذائها، فأمدها بطاقة حيوية وانفتاح ساهم في تجدد تاريخها وتراثها ففرضت نفسها في الحضارة العالمية بنكهتها الخاصة.

 أول ما وطأت قدمي ارض حلب نزلت في فندق البارون في شارع البارون، وهو أية في الجمال لقدم بناءه وفنائه، نزل به الرئيس جمال عبد الناصر وأغاتا كريستي والرئيس الفرنسي شارل ديغول ورائد الفضاء يوري جاجارن ولورانس العرب وأقام به الرئيس حافظ الاسد عندما كان وزيرا للدفاع .

في حلب يوجد المكتبات العامة، والمقاهي القديمة والحديثة، والملاعب لكافة الرياضات منها القاعات المغلقة كملعب كرة السلة الذي حضرت تحت قبته أمسية للشاعر الجميل نزار قباني تلى على مسامعنا قارئة الفنجان واني خيرت فاختاري. الشهباء فيها أيضا الحمامات القديمة التي لا تغلق أبوابها منذ عهد سيف الدولة الا وقت الترميم والتجديد، وفي حلب المسابح، والاماكن السياحية و و

جامعة حلب الرائعة التي تخرجت من كليتها للعلوم الاقتصادية، هي كلية معزولة عن حرم الجامعة الكبير، بناءها قرب مجسم الكرة الارضية في حي سيف الدولة، الذي اقترف فيه العام 1979عصابات الاخوان المسلمين مذبحة ( مدرسة المدفعية ) التي ذهب ضحيتها مئات الضحايا. في تلك الليلة، تمت المذبحة النكراء، كانت سيارات الاسعاف تهرع وتزعق سماعاتها حتى الفجر لمشفى الجامعة المشهور. لا يمكن نسيان تلك الليلة حيث كنت أستعد للتخرج ولتقديم آخر امتحان في الجامعة لمساق الكمبيوتر في لغة الفورتران، للدكتور الانيق والموسوعي، سامح جزماتي، وكانت الواقعة ايذانا بأحداث حلب التي استدعت تواجد الجيش وسرايا الدفاع وفرض منع التجول لبعض الاوقات ومبررا للتنكيل بتنظيم الإخوان المسلمين كخلايا نائمة تحركت لتركيع سوريا لموقفها من معاهدات كامب ديفد ومجابهتها بجبهة الصمود والتصدي.

هذه الواقعة أخرتني سنة (حولا كاملا) عن تخرجي. ورب ضارة نافعة، فكانت الاجمل في حياتي لأنها دفعتني لأزرع كل احياء وشوارع المدينة والتعرف بدهاليزها عن كثب، كنت أخال نفسي في نابلس لتشابه الاماكن والازقة والحواري وطبيعة الاشياء والناس، ودهشت للسوق المسقوف كالحميدية بدمشق الذي يمتد طولا ل14 كم، لم أشعر بأني غريبا أو وافدا من كوكبا آخر كما كان شعوري وشقائي أثناء دراستي في مدينة هيوستن بولاية تكساس. في جامعة حلب عشت طالبا حقيقيا، لم ادرس واعمل اسوة بأمريكا لتوفير القسط، فقد كان القسط مجانيا ، او ب ليرات رمزية، فمجانية التعليم كانت سياسة سورية كمنظور قومي، ولم يقتصر على السوري فقط وانما لكل الوافدين العرب من البحرين والعراق والاردن والسودان وفلسطين، التعليم هناك ليس سلعة او رفاه مقتصرا على القلة والاغنياء، بل متاحا للجميع، للغني والفقير دون أي امتياز، فلم يعد عبئا على الاسرة او تجارة كما عندنا في فلسطين المحتلة، فجامعاتنا لم تعدُ أكثر من شركات تجارية، أقساطها تكلف قد بقرة جحا، والكل يعاني من غلاء الاقساط التي تعادل أو اغلى من الجامعات الامريكية والاوروبية، وكأننا نعيش في الريفيرا، ولسنا تحت أحط وابشع احتلال يحارب هويتنا الفلسطينية في كل شيء، فقد أقر مؤخرا بقومية الدولة، مما يعني أن فلسطين لليهودي فقط، ولا متسع لاي لغة او جنس آخر على أرضها. عدا عن تراجع المناهج في جامعاتنا ومدارسنا، واعطاء الامتيازات للبعض السياسي، واقتصار الدراسة على الاكاديمي وتفريغ الجامعات من دورها الوطني والقومي بعد أن كانت أكاديميات ثورية ثقافية فكرية ترفد الشعب بقيادات شابة بمختلف الطيف السياسي. يبقى أن نقول، للحقيقة والانصاف، أن الشعب الفلسطيني مدين لسوريا الشقيقة بتخريج الآلاف من أبناءه  من مختلف الكليات والتخصصات منذ النكبة، للأسف، بعضنا يتنكر هذا الجميل، ويشكك ولا زال في دور الحكومة و الجيش العربي السوري البطل في درء المعركة الكونية عن الامة وعن سوريا وعن وفلسطين. ويؤسفني أن أقرأ في تقرير لمؤسسة فيرل الالمانية أن فلسطين تعد الدولة الخامسة في ارسال الارهابيين ( 18500) بعد دول كالسعودية وتركيا والشيشان والعراق، وهذا  مؤشر خطير ولافت وبحاجة لدراسة معمقة في قولبة الفكر والمفاهيم وحرف البوصلة!!!؟؟؟

 كطالب جامعي في حلب لم احرم نفسي من أي شيء، فقد نظمت نفسي، مع زملائي الذين سكنت معهم، فلا مساومة على وقت المحاضرات، ولا مساومة على وقت الدراسة وقت الامتحانات، ففي تلك الاوقات كنت وزملائي نعتزل الحياة العامة والزيارات  ونركز كل منا على دراسته وتخصصه. ولا أبالغ اذا قلت ان ولادتي السياسية تمت في تلك الحقبة التي أقمت بها في حلب، ومررت بمخاض عسير، فقد أعدت تشكيل ذاتي، بعد أن كانت اهتماماتي بعيدة عن الهم العام الوطني والانساني، كانت معرفتي العلمية والثقافية متواضعة جدا، لقد كانت اهتماماتي الرياضية هي الغالبة في سلوكي، ولم أكترث لا بالقراءة او الكتابة، لكن حضوري لبعض الندوات والمناقشات الداخلية عرفتني الكثير بالعالم الموضوعي وبذاتي، ومردتني عليها، ورممت بعض بعضي السلبي، فقد حاولت جاهدا لأنافس زملائي الطلبة في المعرفة، والثقافة، والخطابة، والحديث، خاصة السوريين منهم، مما جعلني على تحد مع ذاتي، فرويتها في القراءة، وفولذتها في جرأة الاستفسار، وشجاعة النقد، و دقة الملاحظة، واتخذت دربا جديدا، ومنهجا جديدا. انكببت على القراءة ليل نهار، وكلما كنت اقرأ أشعر بجهلي وفقري وعدم بصيرتي، فالقراءة والمطالعة أشعرتني بإنسانيتي وكياني ووجودي، وانقذتني من التيه، وصبت فيّ جداول جديدة حولت أرضي اليباس لبيادر معرفة، وصحرائي القاحلة لواحة خضراء، وذوبت بعض التكلس من فكري الخرافي الموروث والميتافيزيقي، وجعلتني أكثر من السؤال، وحولتني من صفر حافظ منزلة الى رقم يقبل التفاضل والتكامل، ولا يقبل الجلوس تحت الجذر التربيعي ويقبل رفعه الى اس ما شاء الله، وجعلتني احدد متراسي ووجهتي وهدفي مما دفعني في فترة وجيزة من منافسة  زملائي من دفعتي، مما حدى ببعضهم بوصفي ( دودة كتب )، فقد كنت اتابع صحف تشرين والثورة والسفير، ومجلات العصر الحديث، وأنباء موسكو، والمستقبل، وكل ما تصله يدي، واحيانا كنت استعر بعض الكتب من مكتبة الجامعة، هذا النهج أعاد تشكيلي، لكن النقلة الكبيرة في حياتي كانت بعد أحداث لبنان وخاصة سقوط مخيم تل الزعتر والخلاف السوري الفلسطيني الكبير في ذلك الوقت، حيث قامت المخابرات السورية باغلاق مقر الاتحاد العام لطلبة فلسطين، المتنفس الذي استفدت منه في النقاشات الساخنة التي كنت اغفلها فتضع في رأسي أسئلة أنكب في البحث عن أجوبتها، واستفدت من الاتحاد من خلال الرحلات لمخيمات سوريا والتواصل مع فلسطيني الشتات من لبنان والاردن، واستفدت من بعض دروس الانجليزي والرياضيات وغيرها. لم تكتف محافظة حلب في اغلاق الاتحاد العام للطلبة فقط بل قامت باعتقال وابعاد الكثير من الطلاب الفلسطينيين لاحتجاجاتهم على الدور السوري في لبنان، ولحسن، أو لسوء الحظ، ان 3 طلاب فلسطينيين تم ابعادهم من الشقة المجاورة التي اقيم فيها، هذا الحدث كان بمثابة الصدمة الحقيقية في أناي، وفي وجداني وعقلي، وشخصيتي وكياني، دفعني لاستزادة المطالعة والتثقيف، ولتحديد متراسي وانتمائي، ولأكون صاحب موقف ورسالة وهدف بعيد، أبعد من الاكاديمي والوطني والقومي، الى رحاب الانسانية جمعاء، حتى أصبحت أرى في الكون وطني والانسانية ديني.

في الجامعة،  أذكر، أن طالبا حلبيا طرد من الجامعة لآنه صفع طالبة يهودية لانها تركته بعد أن كانت على علاقة زمالة معه، دار نقاشا مطولا حول الموضوع، وقد كنت مع قرار الجامعة في فصل الطالب لاهانة زميلته والتعامل معها ببربرية.   

في حلب دور السينما، اذكر منها أفاميا. هناك ميزة تسجل لأهل حلب أنهم لا يشاهدوا أي فلم من أول مرة الا بعد أن يشاهده بعض الذواقة والنقاد، بعدها اما أن ينجح الفلم أو يفشل أمام شباك التذاكر، اذكر فلم (أفواه وأرانب ) على سبيل المثال، لسيدة الشاشة فاتن حمامة ومحمود يسين حيث لم يحضر الفلم بداية الا قلة ، وفي اليوم الثاني كان الزحام على اشده، الشيء الجميل في دور السينما أنها كانت تحتضن مهرجانات الافلام كدور تثقيفي، وقد تعرفت على أفلام تشالي شابلن، والافلام الجزائرية، والروسية ووو، من خلال هذه المهرجانات، يمنع التدخين في القاعة، ومرور بعض الدوريات للمخالفة، وكذلك في المسرح الوطني الذي حضرت فيه مسرحية، نزل السرور لزياد رحباني عرضتها فرقة أجراس حلب.

من معالم حلب الآسرة الحديقة العامة، في مدخلها الرئيس منصوبا تمثالا للمتنبي محلقا بالمصورين، أحدهم أخذ لي بعض الصور ولم استلمها الا بعد اعوام، عند استلامها كدت لم أتعرف على نفسي.

في الحديقة أيضا بعض الحيوانات والطيور والطواويس، وهي المنطقة الخضراء المقامة على جنبات نهر قويق الذي أوقف تدفقه الاتراك، هذه الحديقة تعتبر من عالم آخر لسحرها وبهائها لأنها المتنزه الاكثر جمالا للحلبيين من بين عشرات الحدائق كالسبيل مثلا الذي وضع فيه نصبا تذكاريا حجريا لمجزرة تل الزعتر .

حلب هي العاصمة الاقتصادية لسوريا الحبيبة، كاد برجوازيها أن يستقلوا عن سوريا الكبرى، زرت الكثير من مصانعها أثناء مشروع تخرجي عن أوضاع الطبقة العاملة فيها، زرنا مصنع الاسمنت، والزجاج، والقطن والنسيج والسجاد، قابلنا بعض المدراء الذين اعتبروا هذه المصانع تكفي للشرق الاوسط في انتاجها، وأن سوريا تمر بشبه ثورة صناعية، ربما لهذا السبب وغيره قام  الصهيوني اوردغان الاخونجي التركي وعصاباته بسرقة الآلاف من مصانع حلب وتدميرها ونهبها وتشتيت بنيتها التحتية كما يقوم اليوم باحتلال عفرين وفرض سياسة التتريك على ما تبقى من أهلها.

يشيع بعض الحلبيين أنه زمن الوحدة بين مصر وسوريا حل الرئيس جمال عبد الناصر ضيفا على بعض عائلات حلب الميسورة منها ( عائلة صائم الدهر ) وقد قدموا  للأكل معالق من ذهب أثناء وجبة الطعام، في اليوم الثاني من المأدبة اتخذ الرئيس ناصر قرارا بتأميم أملاك العائلة !

وشهدت في باحة الجامعة استقبال ابنها البار هيلاريون كابوتشي، الذي دعم المقاومة الفلسطينية وهرب لها الاسلحة، بعد ان اطلق سراحه من سجون الاحتلال الاسرائيلي. وشهدت أيضا اطلاق اسم نيافة المطران على أحد الشوارع العامة.

اقمت في بيت يملكه المطرب أبو ضياء ( أديب الدايخ ) كان منافسا لصاحب القدود الحلبية صباح فخري، كان مؤذنا ذا صوت ملائكي، كانت المارة تقف تسترق السمع عندما كان يؤذن لسحر صوته، وكان يلقب بمطرب الملوك والعاشقين أو زرياب .. يمكن سماع موال ( لولا غرامي لما ذرفت الادمعا ولما وجدت الدمع سهلا طيعا ..يا رب اني وجدت قلبي بالجمال تولعا . وكان بيتي قريبا من بيت المطربة ميادة حناوي قبل أن تنشهر حيث كانت تقلد وتجيد اغاني أم كلثوم خاصة اغنية الاطلال.

لي الكثير من الاصدقاء في حلب أذكر منهم أنطوان العيد، أمل أن يكون حيا بعد الجرح العميق الذي ألم بالمدينة. كما لم يغب من ذاكرتي د. عارف دليلة الذي درسني مساق الانظمة الاقتصادية المقارنة، أمل أن يكون خارج السجن كمفكر تقدمي معارض كانت تكتب عنه مجلة أنباء موسكو لموسوعيته.

هناك الكثير من قصص المدينة المقاتلة لتروى عن حلب الشهباء البطلة التي دمرتها أيادي الارهاب والعدوان، لكني بالمطلق أومن ومتيقن بأن أهلها وشعبها سيقوم كالعنقاء لينفض الغبار وكسيدنا يوسف سينهض من غيابة الجب الى عنان السماء

المجد لبلدي الثاني التي علمتني فقه الحياة ..

ملاحظة: العنوان استقيته من طفلة حلبية بعد الانتصار وتحرير حلب من براثن العدوان والارهاب.

ابو زيد حموضة

فلسطين المحتلة

نابلس في 10/8/2018

122 عدد مرات القراءه