الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

غسان كنفاني... والمخيم .. عادل الأسطة

يوليو 12,2018 بقلم

image

الصورة لندوة أقيمت في مكتبة بلدية نابلس على شرف الذكرى 46 لاستشهاد أديب الثورة غسان كنفاني

 

في 12 حزيران كتبت إنعام الخفش على صفحة "الفيس بوك" الخاصة بها أن غسان كنفاني، لو بُعث وقرأ أنها ما زالت تكتب بالطريقة التي كتب فيها، لسخر منها ومن كتابتها؛ لأن غسان وما كتبه هو ابن مرحلته التاريخية وهي ابنة مرحلة تاريخية مختلفة عليها أن تكتب انطلاقاً منها.

لو بُعث غسان فهل سيكتب من وجهة النظر التي تبناها أم أنه سيكتب بطريقة مختلفة تتلاءم ومعطيات زماننا؟

تعني الدارسة الآتي: عاش غسان في زمن مختلف فكتب ما كتب، ومنذ استشهاده جرت في النهر مياه كثيرة مختلفة.

الدارسة تساءلت وماذا لو قرأ ما تكتب ولاحظ أنها ما زالت تتبنى أطروحاته؟

أظن أنني عقبت بالآتي: يفضل أن يبقى على قناعاته وأن يواصل الكتابة التي قرأناها في أعماله.

وجهة نظري أننا كنا أكثر صدقاً مع أنفسنا وأن الهزيمة لم تكن تمكنت منا، لنبرر حلولاً فرضها علينا ضعفنا وتشرذمنا وسوء الأوضاع في العالم العربي الذي يعيش اليوم أسوأ حالاته.

إنعام الخفش تنهي ما كتبت بأن عليها أن تكتب وفق معطيات زمنها، ولهذا قررت أن تعمل تهوية لأفكارها.

في ليلة السابع والعشرين من حزيران وجدتُني أسير في مخيم عسكر القديم.

حننت إلى شارع ذرعته مراراً، أيام الصبا، قبل أربعين عاماً، بصحبة الأصدقاء.

كان الشارع يؤدي إلى مدرسة البنات التي كانت محط أنظار كثيرين من المراهقين، وكان في الليل أكثر هدوءاً من شارع المخيم الرئيس المؤدي إلى نابلس؛ أكثر هدوءاً لأن السيارات العسكرية الإسرائيلية لم تكن تقترب منه، هي التي كان الشارع الرئيس طريقاً أساسياً لها قبل أن تشق إسرائيل طرقاً خارجية أكثر أمناً.

كان السير على الشارع الرئيس مخاطرة غير محمودة العواقب، خوفاً من سيارات الاحتلال ومن السيارات والمركبات العامة، ولذلك ابتعدنا عن الشر وغنينا له، وصار الشارع الثاني شارعنا، فكنتَ ليلاً ترى شباب المخيم يذرعونه زرافاتٍ ووحداناً.

أحياناً كنا نسير على الشارع الداخلي ساعات طويلة، ولم يكن أهل المخيم يحتجون.

لماذا لم يكونوا يحتجون؟

ربما لأننا كنا أخلاقيين، وربما لأن الشارع كان عريضاً جداً وكانت البيوت تبتعد عنه أمتاراً.

قبل أن تغدو المراحيض جزءاً من المنزل، كان في الشارع مراحيض عامة؛ قسم منها للرجال وقسم خاص بالنساء، ولاحقاً أزيلت هذه وتلك.

لم أذرع الشارع -كما ذكرت- منذ عقود؛ وتحديداً منذ أربعين عاماً، فقد تركنا الإقامة في المخيم في العام 1978. ربما أكون عبرته مرةً أو مراتٍ لزيارة صديق أو لتعزية عائلة أو لرؤية بيت نسفه الإسرائيليون لانتماء أحد أفراد الأسرة إلى المقاومة والقيام بفعل مقاوم.! ربما!

في ليل السابع والعشرين من حزيران وجدتُني أسير في الشارع نفسه. أهو ضرب من الحنين؟

قبل أقل من عامين شاركت في مؤتمر السرد الخامس الذي عقدته رابطة الكتاب الأردنيين في عمان. على هامش المؤتمر زرتُ جبل الحسين والمخيم الملاصق له. كنت قرأت رواية "رغبات ذلك الخريف" 2010 لليلى الأطرش التي أتت فيها على مخيم الحسين ووصفت هدم قسم من بيوته لشق طريق يؤدي إلى مدينة إربد. أردت أن أرى كيف أصبح المكان الذي عرفته جيداً في فترة دراستي في الجامعة الأردنية من 1972 حتى 1976 ومن 1980 حتى 1982 ولطالما سكنت في تلك المنطقة. الرواية حثتني على رؤية المكان، ولم تكن الزيارة بدافع الحنين.

علاقتي بشارع مخيم عسكر القديم علاقة مختلفة. فترة المراهقة ومكان التنزه ليلاً هرباً من بيوت مساحتها صغيرة وسكانها كثر. بيوت تضيق بسكانها.

هل عرفت المكان؟

كما لو أنني في مكان آخر مختلف كلياً.

قبل 1978 كانت المساحات واسعة والارتدادات بين البيوت ملحوظة. كانت الأشجار تفصل أحياناً بين بيت وآخر، ولم تكن البنايات العمودية قائمة؛ لأنها كانت ممنوعة أصلاً. الآن كل شيء اختلف؛ البيوت متلاصقة والأشجار معدومة والأزقة الواسعة شبه منعدمة والشارع العريض غدا شارعاً ضيقاً، ولا مساحات لملعب كرة طائرة. ومع ذلك لا تعدم رؤية طفل أو ثلاثة أو خمسة بطابة تتقاذفها أرجلُهم.

كنت أردت أن أمرَّ بمحاذاة مدرسة الإناث لأرى كيف صارت، فوجدت الناس يحتفلون بزفاف، وفضلت عبور زقاق فرعي. كما لو أنني لا أعرف المكان إطلاقاً.

وأنا أذرع الشارع تذكرت سؤال إنعام الخفش واسترجعت بعض نصوص غسان كنفاني التي أتى فيها على المخيم.

لم يُقم كنفاني في بيئة المخيم إطلاقاً، ولكنها كانت حاضرة في أعماله، وأعتقد أنها حضرت لأسباب هي أنه لاجئ وأنه عمل في دمشق في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وأن أم سعد الشخصية الرئيسة في رواية "أم سعد" كانت من المخيم وحدثته كثيراً عن قسوة الحياة فيه، ثم إن غسان في 50 القرن 20 زار غزة ومخيماتها.

للأسباب السابقة حضرت في قسم من أعماله بيئة المخيم. في "أم سعد" وفي "القميص المسروق" وفي قصص قصيرة أخرى، ومن المؤكد أن صورة المخيم في الأعمال المشار إليها صورة قاسية غير مريحة على الإطلاق، ولكنها تبدو أقل قسوةً مما هي عليه الآن.

مرةً سُئلت: من تابع الكتابة عن المخيمات في لبنان بعد غسان كنفاني؟ وأجبت: سامية عيسى في "حليب التين".

تُرى ماذا كان غسان سيكتب لو بقي على قيد الحياة؟

الصورة تزداد قتامةً.

60 عدد مرات القراءه