الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

سهير شويكة: في الذاكرة الشعبية الجماعية ... فيحاء عبد الهادي

يونيو 29,2018 بقلم

image

حين أذكر معلمتي الغالية "سهير عبد الكريم شويكة"؛ تحضر ذكريات الطفولة والصبا، وتحضر مدرسة الفاطمية؛ معلماتها ومديرتها وطالباتها، جدرانها وملعبها وصفوفها وأروقتها، التي تعجّ بالنشاط والحياة، وتحضر نابلس.

يرتبط اسم معلمتي لديّ، منذ العام 1966؛ بأمرين اثنين رئيسين: حب اللغة العربية، والنشاط السياسي.

لا أنسى ما حييت بداية تلمّس مفهوم النقد الأدبي، من خلال حصة اللغة العربية، في الصف الثالث الإعدادي، حين تتلمذت على يد المربية القديرة.

كان التحدي الأول: قراءة كتاب في الأدب، وكتابة مراجعة نقدية له. اخترت "مع المتنبي"، لعميد الأدب العربي طه حسين، وكتبت مراجعتي النقدية للكتاب. وأتمنى لو كانت المسودّة الآن لديّ لأسترجع ما جرؤت على قوله آنذاك، وأراجع تعقيب معلمتي على كتابتي.

ما أذكره أنني عبّرت عن استيائي من مقدمة الكتاب، التي تبيّن استهانة د.طه حسين بشعر المتنبي، وكنت قد تربيت على الإعجاب الكبير بشعر الشاعر، وحين عبّرت عن رأيي؛ خفت أن تستاء معلمتي مما كتبت؛ لكنها بهدوء واتزان وابتسامة؛ عقبت على المراجعة بقولها: ليس المهم أن أتفق أو أختلف معك؛ المهم أن يكون النقد موضوعياً، وأن تبرهني على ما تقولين بعيداً عن العاطفة؛ حباً أو كرهاً. وكان هذا درسي الأول في النقد، والذي ما زال محفوراً في ذاكرتي.

*****

(خلَّصت المدرسة في سن مبكرة، كان عمري 17 سنة، درست سنتين في دار المعلمات في رام الله، لما صرت عشرين سنة مارست مهنة التعليم في مدرسة العدوية في طولكرم، قضيت من سنة 61 حوالي 15 سنة أو أكثر، وعلّمت في المدرسة الفاطمية في نابلس، وباقي سنوات التعليم، في مدرسة كمال جنبلاط الثانوية في نابلس.

في مدرسة الفاطمية، كان يوجد مجال لتوعية الطالبات سياسياً، خاصة كانت حركة القوميين العرب في أوجها. استعرضت كل الأحزاب والحركات السياسية القائمة حينها؛ وجدت في حركة القوميين العرب، كل الأهداف التي أطمح اليها، وجدت في اللواتي انضممن للحركة وجوها من نابلس نظيفة جداً، مخلصة، تعزز الانتماء للحركة.

كنت أقرأ الكتب السياسية، خاصة التي تتحدث عن فلسطين في سن مبكرة. في سن العشرينيات؛ البنات يقرأن قصصا عاطفية، أنا كنت اقرأ هذه الكتب، وما تؤلفه الحركة من منشورات وكتب، كانوا يوزعونها علينا كل شهر. مجلة الهدف، وكتب ساطع الحصري، كتب محسن إبراهيم، وغسان كنفاني.

كنت معلمة المكتبة في مدرسة الفاطمية، فكنت أطلب من الطالبات "إنهم يقرأوا اللي أوجهّن إله"، خاصة التي تتحدث عن تاريخ فلسطين، والكتب الوطنية والسياسية (والأدبية) الأخرى. أطالب في كل أسبوع، في كل حصة مكتبة، على التوالي من كل طالبة ان تقدِّم مراجعة نقدية لكتاب قرأته، وكان هذا جذورا لتنشئة جيل واع وطنياً وسياسياً، يحب القراءة والمطالعة، نحوِّل حصة المكتبة إلى نقاش لمواضيع سياسية ووطنية اجتماعية.

لم يكن هناك أي مضايقة من الأهل، اجتماعات، سفر "ما كانوا يعارضوا؛ لأنه كان عمري عشرين سنة، أشعر أني أروح وآجي بحرية".

"السفر في الداخل، تعليمات إعطائنا مناشير لتوزيعها في القدس ونابلس، والسفر للخارج، إلى الشام مثلاً للالتقاء ببعض النشيطات في حركة القوميين العرب، للاطّلاع على ما قمنا به، مثل المربية الكبيرة، التي تعتبر من المؤسسين لحركة القوميين العرب (أسماء موقع)، من أصل فلسطيني، تسكن دمشق، كانت عاملة منزل للطالبات الجامعيات، شبه خلية، تجمع الطالبات. كان معظم الطالبات يتبنّون أفكارها".

اشتغلت ضمن خلية نسائية؛ لكن المشرف عليها رجل. كانت حركة القوميين العرب حلقات رجال وحلقات نساء، والمشرف على حلقات النساء رجال.

اشتغلت أولاً على توعية الطالبات بطريقة غير مباشرة، نعرّف طالبات المدرسة بمبادئ حركة القوميين العرب، التوعية الوطنية. من ناحية ثانية نقل المطبوعات من مدينة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، "أذكر مرة كنت مكلفة أنا وبعض الزميلات نقل المنشورات، وضعتها في تنورة عريضة (تيلاّ) وضعتها بطريقة حتى لا نتعرض للتفتيش، تم نقلها من نابلس للقدس". طلب مني أن ادخل في جمعيات خيرية كعضو إداري، حتى يكون للحركة وجود في الجمعيات، بالفعل أنا وبعض الزميلات، أذكر: وسام كنعان، كنا في النادي الثقافي، التابع لجمعية الاتحاد النسائي، تترأسه الحاجة عندليب العمد. وجدت بيئة خصبة لنشر مبادئ الحركة، عن طريق عمل نقد لكتاب وطني شهرياً؛ بحضور أعضاء الهيئة العامة للنادي، في هذه الأثناء كان من بين أعضاء حركة القوميين العرب أطباء وصيادلة تبرّعوا منهم: فيصل كمال، زاهي قمحاوي؛ بعمل عيادة مجانية داخل النادي، تتلقى فيه النساء المعالجة المجانية، وكنا نستغل مكتبة البلدية، لاستعمال بعض الكتب ونقلها؛ وعمل ندوات مختلطة، تناقش فيها كتب وطنية.

حققت ذاتي من خلال العمل الذي كنت أقوم به، حيث شاهدت البنات اللواتي كان لي صلة بهن أنهين تعليمهن، منهن د.فيحاء عبد الهادي، شادية أبو غزالة، مناضلة، وطالبات صرن في مواقع المسؤولية، "اللي علَّمتهن تثبيت بعض الآراء في تفكيرهن؛ أصبحن قياديات في المجتمع". "مرَّة ذكَّرتني إحدى طالباتي، يوم همست في أذني؛ اليوم وعد بلفور، علشان نعمل احتفال، وأنا هزيت برأسي اني موافقة. كنت في المدرسة مشرفة على مجلة الحائط فيها".

كان في حركة القوميين العرب ديمقراطية بشكل جزئي: نفذ ثم ناقش. وصفت الحركة بأنها برجوازية، تنتقي أعضاءها وتختص بفئة ذات تفكير عال، لم تنزل لمستوى القاعدة، هذا خطأ، كانت تهتم بالنوعية أكثر من الكمية، وكان فيها قيود مشددة للانتماء للحركة.

العلاقة داخل الحركة، صداقة واحترام كثير، والسبب السرّية، وهذا يجعلنا نشتغل باطمئنان، الأخ لا يعرف عن أخته، وهكذا).

*****

معلمتي الغالية،

عملتِ طويلاً لتربية جيل واع، متسع الصدر، قادر على الحوار، ناضج للمشاركة السياسية، والمساهمة في العمل الاجتماعي، والثقافي، والتربوي، يعبّر عن رأيه بحرية، ويتقبل الرأي الآخر. جيل يعرف لغته الأم جيداً، ويفخر بها، يقرأ بعمق، ويعبّر عن رأيه شفاهاً وكتابة، بطلاقة وجرأة.

العزيزة سهير شويكة؛ ما زلنا بحاجة إلى دروس في النقد.

سوف نفتقدك، وسوف تفتقدك نابلس وفلسطين.

61 عدد مرات القراءه