الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

صورة الفدائي في الأدبيات الفلسطينية .. عادل الأسطة

اكتوبر 11,2017 بقلم

image

تحفل الأدبيات الفلسطينية بنماذج كان الفدائي فيها على درجة عالية من القدسية، ويعدّ إبراهيم طوقان أول من أبرز هذه الصورة له، في قصيدته التي عنوانها «الفدائي» والتي منها:

هو بالباب واقف

والردى منه خائف

وحين يتتبع المرء الصفات التي نعت بها الشاعر الفدائي، الذي لا تغيب صورته عن أذهاننا، بسبب القصيدة وبسبب مسلسل إبراهيم طوقان ومسلسل التغريبة الفلسطينية، فإن الفدائي صامت لا يتكلم بقدر ما يفعل «يده تسبق الفما» وهو يخاف على بلاده التي يراها تضيع رويداً رويداً بسبب الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية. لقد أحب الفدائي بلاده وبذل روحه دفاعاً عنها، ويطلب منا طوقان ألا نلومه فقد رأى منهج الحق مظلماً ورأى أركان بلاده تتهدما.

جسد عبد الرحيم محمود فعلاً ما كتبه طوقان شعراً، وحمل روحه على راحته واستشهد في معركة الشجرة في 1948، بعد سبع سنوات من وفاة طوقان.

غاب الفعل الفلسطيني بين 1948 و1967 وحلّت شخصية اللاجئ محل شخصية الفدائي وغدا الفلسطيني، كما في قصص سميرة عزام «لأنه يحبهم»، وغسان كنفاني «القميص المسروق»، سارقاً ولصاً وباحثاً عن خلاص فردي، وستظل هذه الصورة تبرز حتى انطلاقة الثورة الفلسطينية التي عاد فيها الفلسطيني يفعل بعد أن اكتفى بالانتظار. وكانت أعمال غسان كنفاني تبرز غير صورة للفلسطيني. من العاجز إلى الباحث عن حل فردي إلى المتهود إلى الفدائي. من أبو الخيزران إلى سعيد. س إلى أبو سعد فخلدون/ دوف وخالد وسعد وحامد.

النماذج التي ظهرت في روايات غسان عادت لتظهر في روايات إميل حبيبي، فروايته «المتشائل» تبرز فيها شخصية المتعاون الذي يكف عن التعاون ولكنه يريد لابنه ولاء أن يكون متعاوناً مع الدولة العبرية وشخصية اللاجئ الفلسطيني المتسلل ليقاتل المحتل- أي الفدائي. بل إن ولاء ابن المتعاون يتمرد ويهرب ليلتحق بالمقاومة.

في إحدى رسائل «المتشائل» يصف حبيبي اللقاء الذي تم في السجن بين متعاون دخل السجن بالخطأ وبين الفدائي الفلسطيني. ويرسم حبيبي للفدائي صورة مشرقة جداً.

الصورة التي ترسم للفدائي ترسم من سعيد المتعاون. حتى سعيد المتعاون هذا يرسم صورة مشرقة تصل حتى القداسة للفدائي. يصغر المتعاون أمام الجمال المسجى الملتف بعباءة الملوك الأرجوانية ويخجل من التعريف بنفسه، فهو فلسطيني متعاون أمام فلسطيني مقاوم.

بعد صدور «المتشائل» بعامين كتب محمود درويش قصيدته «أحمد الزعتر»، وفيها بدا الفدائي العبد والمعبود والمعبد. وليست هذه أول صورة للفدائي في أشعار درويش. لقد كتب قصائد رثاء في أبو علي إياد «عائد إلى يافا» ورثاء شهداء عملية فردان: نجار وناصر وعدوان، «طوبى لشيء لم يصل» ورثاء كنفاني «غزال يبشر بزلزال» و...و...

توحد فدائيو درويش بالأرض وكانت هي لاجئة في جراحهم. كانوا يحفظون بلادهم حجراً حجراً وكانوا جميلين.

هل اختلف وليد مسعود في رواية جبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود» عن الفدائي كما ظهرت صورته في الكتابات السابقة له؟

في «مديح الظل العالي» رأى درويش في الفدائي «خالق الطرقات  وحرية التكوين». إنه لا يبحث عن العروش المزبلة، فما أصغر الدولة وما أكبر الفكرة.

وسيغدو الفدائي في قصة أكرم هنية «عندما أضيء ليل القدس» 1986 رجل الضوء الذي يرى فيه الفلسطينيون خلاصهم من ليل الاحتلال الطويل. إنه الأب المفقود  والحبيب المنشود والمخلص من الآلام والعذاب و...و..

ما الذي ذكرني بصورة الفدائي في الأدبيات الفلسطينية؟ أهو ما آل إليه هذا الفدائي في الواقع الذي نحيا أم قراءتي نصوصاً أدبية جديدة آل الفلسطينيون فيها إلى غير تلك الصورة؟

في روايتي سامية عيسى: «حليب التين»، و»خلسة في كوبنهاجن»، استشهد الفدائي ولم تنته الحكاية. لقد تابعت الكاتبة مآل أهله: أمه وزوجته وأبنائه، وقد غدوا يقيمون في مناف جديدة، بل إن الصورة بدت قاتمة.

طبعاً هناك روايات عادت بالذاكرة إلى زمن المد الفلسطيني في صعوده وانكساراته قبل هزيمته هزيمة شبه نهائية.

مؤخراً، قرأت روايتين، هما: «خابية الحنين» لجمال أبو غيدا، و»مخمل» لحزامة حبايب، وقد أتيتا في بعض أقسامهما على أحداث أيلول في 1970. وفيهما كتب عن الفدائي في فترة كانت صورته مشرقة؛ في أذهاننا. وما بين الصورة في زمن الحدث الروائي والصورة في الزمن الكتابي فارق كبير ليس بالتأكيد لصالح صورته الحالية التي لا تعاود الإشراق إلا في أحايين قليلة.

وتتبع الصورة في الروايتين يحتاج إلى مساحة أوسع.

في «مخمل» مثلاً تسترجع امرأة أخفق حبها هي الخياطة الست قمر بعض لحظات مشرقة مرت فيها، ففي أيلول 1970 يختبئ في بيتها فدائي ويقعان معاً في حب عابر، وإذ تقدم للفدائي في الرواية صورة فإنها تذكر بالصورة التي ظهرت له في الأدبيات المشار إليها أعلاه.

لننظر إلى ما بدا عليه:

«هيكله في النوم بدا أقل حجماً منه في اليقظة. استلقى كطفل أفنى يومه في اللعب، فارتمى على السرير بملابسه منهكاً».

« في ضوء النهار، كانت بشرته أقل اسمراراً وأقل إنهاكاً. وجهه كان أكثر حبوراً وانبساطاً. عيناه كانتا أكثر اتساعاً، أكثر احتواء لها ولحركاتها، حتى إنها شعرت بأنها توشك أن تنزلق داخله، وتكاد تنزلق حتى تصل إلى جوف روحه...».

ويبدو الفدائي إنساناً محباً وعاشقاً ومعشوقاً. تبدو صورته غاية في الجمال والإنسانية.

وأعتقد أن صورة الفدائي في الأدبيات الفلسطينية التي تسترجع زمناً مضى تستحق أن تدرس وأن تقارن بصورته في زمن توهجها وفي أزمنة أخرى لاحقة خفت بريقها.

في نوفيلا أكرم هنية الجديدة عبارة لافتة: «ما أصغر ما صارت إليه أحلامنا».

ترى ماذا يقول من تبقى من فدائيين عاشوا في زمن الوهج والصعود؟

18 عدد مرات القراءه