الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

فدوى طوقان: السيرة مدخلاً لقراءة الشعر .. عادل الأسطة

اكتوبر 04,2017 بقلم

image

تزوّد سيرة فدوى طوقان بجزئيها "رحلة صعبة.. رحلة جبلية" (1985) و"الرحلة الأصعب" (1993) دارس شعر فدوى، وأحياناً قليلة، دارس أشعار بعض الشعراء الذين تواصلت معهم، مثل محمود درويش، بمفاتيح تضيء نصوصها وبعض قصائدهم، بل وبمسوغات وتفسيرات لغياب الموضوع الوطني عن أشعارها المبكرة، ولضآلته وقلته حتى فترة حزيران 1967، ومن ثم حضوره بقوة لاحقاً، بل وغلبته على أشعارها ذات الطابع الذاتي الوجداني غلبة لافتة لدرجة غيابها تقريباً، وعدم بروزها إلاّ في فترة متأخرة جداً، هي فترة ما بعد (اوسلو) (1993)، وهذا ما بدا في ديوانها الأخير "اللحن الأخير" (2002).

ومع أن الخوض في هذا الموضوع يتطلب حيزاً أكبر بكثير من الحيز المتاح في هذه الزاوية، إلاّ أنني سأتوقف أمام ثلاثة عناوين فرعية، يمكن أن تضيء، وما أدرج تحتها، العنوان: السيرة مدخلاً لقراءة الشعر.

ـ فدوى وأبوها والشعر الوطني:

تأتي فدوى، في سيرتها، على أبيها وعلى علاقتها به، وتعلن أنها لم تكن تحبه، وإن لم تكن أيضاً تكرهه، فهو، كونها أنثى في مجتمع ذكوري، فضل عليها الذكور، وأهملها ولم يكن يخاطبها مباشرة، وإنما من خلال أمها. هذا الأب سيختلف سلوكه معها بعد وفاة أخيها الشاعر ابراهيم. ولسوف يتوجه إليها مباشرة ويطلب منها أن تكتب الشعر الوطني، علها تحافظ على المجد والشهرة التي حققها إبراهيم للعائلة. ولكن أنَّى لها أن تكتب في الموضوع الوطني، وهي رهينة المنزل والجدران ولا يسمح لها بالمشاركة في الحياة العامة؟ إنها تعبر عن هذا بقولها:

"إن على الشاعر أن يعرف الحياة والعالم من حوله قبل أن يعالجهما في شعره، فمن أين آتي بالمادة الأولى الأساسية المناسبة؟ من أين يتوفر لي الجو الفكري والنفسي لأكتب مثل ذلك الشعر؟ هل استمده من قراءة الجريدة التي كان أبي يحضرها في ظهيرة كل يوم حين يعود إلى البيت لتناول الغداء؟ إن قراءة الصحف، على أهميتها، لم تكن كافية لانبعاث جذوة الشعر السياسي في أعماقي؛ لقد كنت معزولة عزلة تامة عن الحياة الخارجية.." ص132.

ولسوف تعود فدوى وتركز على هذا في صفحات لاحقة من سيرتها. لقد كانت في شبابها عديمة التجربة، وكانت تعاني من العزلة التي فرضت عليها، وأسهمت هي شخصياً في فرضها على نفسها، فارتباطها بالناس ظل يخضع لحالتها المزاجية، وحالتها المزاجية كانت تميل إلى العزلة والوحدة والخوف من الآخرين وعدم الاطمئنان إليهم، والكتابة في موضوعات وطنية واجتماعية تتطلب الاندماج بالآخرين والانخراط في خدمة اجتماعية. إنها تتطلب عملاً ووظيفة، وهذا ما حرمت منه، وأثر بالتالي على موضوعاتها الشعرية "وهكذا لم تكن عواطفي ومشاعري لتجد أي موضوع خارجي تمتد إليه" (ص133).

ولم تخرج فدوى من عزلتها إلاّ في بدايات 60 ق20. لقد سافرت إلى لندن لتقيم فيها عامين وأكثر قليلاً، ولتكون أيامها هناك لا تنسى، ذلك أنها كانت كعصفور في قفص، ثم فجأة وجد نفسه حراً، فعرف معنى الحرية، ومع هزيمة 1967 ستخرج من عزلتها كليا، وستلتقي بسياسيين ومقاومين وقادة كبار، من موشيه دايان إلى جمال عبد الناصر إلى ياسر عرفات. هنا ستجعلها الأحداث تستجيب تلقائياً لكتابة الشعر الوطني والخروج من دائرة الشعر الذاتي الذي كانت غارقة فيه، وكان بعض معارفها، مثل الشاعر كمال ناصر الذي التقت به في 60 ق20، حثها على ضرورة الخروج منه. وستقر فدوى بهذا، ففي الصفحات 148 ـ 152 من "رحلة صعبة.." تأتي على ملاحظات أصدقائها ومعارفها على شعرها في 50 و60 ق20، ومع ذلك فقد ظلت كتابتها للشعر أسيرة الحالات العاطفية والنفسية التي تباغت فجأة وتذهب فجأة "ولم أعرف الإحساس الدائم بالواقع والالتصاق الوجداني الملازم بالقضية الجماعية إلاّ بعد حرب حزيران" (ص152).

ـ فهمها الشعر وكيفية الوصول إلى المعنى:

في الصفحات الأخيرة من "رحلة صعبة.." تأتي فدوى على قراءتها بعض قصائد محمود درويش التي نشرت في مجلة "الآداب" اللبنانية (60 ق20)، وتصرح بأنها قصائد استعصت عليها، فلم تفهم بعض الرموز. ومع أن الشخص (ل) الذي حاورته أصر على قراءة النص بعيداً عن حياة مؤلفه وظروفه، إلاّ أن فدوى ترى غير ذلك فنحن "لا نستطيع أن نأخذ رموز محمود درويش معزولة عن مشكلاته الشخصية في واقع حياته وتجارب هذه الحياة وصراعها مع البيئة التي تحيط بالشاعر"هنا تشير فدوى إلى الشاعر (ت. س. إليوت) الذي أراد في فترة الاتكاء على النص وحده، ثم عاد وتراجع "واعترف بخطئه".

وربما لفهمها هذا عادت فدوى وكتبت في الجزء الثاني من سيرتها "الرحلة الأصعب" الكثير عن ولادة قصائدها التي كتبتها بعد العام 1967، ومناسبة تلك القصائد، مثل قصيدة "الليل والفرسان" وقصيدة "حمزة". إن الجزء الثاني يساعد قارئ هاتين القصيدتين كثيراً في فهمها فهماً أفضل.

ومثل القصيدتين السابقتين قصيدة "آهات أمام شباك التصاريح". لقد أثارت هذه القصيدة، زمن كتابتها، ضجة كبيرة، ربما لا تقل عن الضجة التي أثارتها قصيدة محمود درويش "عابرون في كلام عابر" التي كتبها في العام 1988، في الانتفاضة الأولى.

ـ التناص مع الشعر العبري:

كتبت فدوى قصيدتها السابقة بعد حرب حزيران، وتحديداً بعد سفرها إلى عمّان، عبر الجسر. وقد أتت في "الرحلة الأصعب" على زيارتها بيت (موشيه دايان) في تل أبيب، وكان أراد أن يتبع سياسة فيها قدر من التسيير لأهل الأرض المحتلة، فلجأ إلى سياسة فتح الجسور والسماح لأهل الضفة بالسفر إلى الأردن، بل انه طلب منها/ من فدوى أن تنقل رغبته إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر وإلى السيد ياسر عرفات، بالاجتماع معهما.

ولم يكن السفر على الجسر مريحاً، فقد رأت فيه الشاعرة ضرباً من إذلال الفلسطينيين وإهانتهم، وأصغت إلى جندي إسرائيلي يشتم العرب وينعتهم بأنهم همج وكلاب، لأنهم كانوا يتدافعون أمام شبّاك التصاريح. ما رأته وشاهدته ـ ولنلاحظ أن خروجها من عزلتها المنزلية تركت أثراً على موضوعاتها ـ ما رأته وشاهدته ترك أثراً فيها، ما دفعها وهي في عمّان إلى كتابة قصيدتها ونشرها، وفيها تتذكر فدوى هند بنت عتبة التي أكلت كبد حمزة عمّ الرسول حين قتله وحشي، وتتمنّى فدوى لو أنها تفعل الشيء نفسه بالجندي.

ما ورد في القصيدة حول رغبة الشاعرة بأكل كبد الجندي أثار ضجّة في الصحافة العبرية التي كتبت تحت عنوان "شاعرة في القرن العشرين من أكلة لحوم البشر" (ص73) وحين رتب الحاكم العسكري في نابلس لقاء بين فدوى ورئيسة تحرير جريدة (دافار) العبرية السيدة (زيمير) بادرتها الأخيرة بالسؤال التالي: "كيف شهيتك اليوم لأكباد جنودنا الإسرائيليين؟" ص75 ولسوف توضح فدوى لـ (زيمير) الصورة، وتعلمها من أين أتت بها.

كانت فدوى قرأت قصيدة لشاعر عبري هو (مناحيم بياليك) عنوانها: "أناشيد باركوخبا)، وفيها يخاطب (باركوخبا) اليهودي في سنة 66م القائد الروماني الذي كان يحاصر اليهود في قلعة مسعدة (مسادة):

"لقد جعلتمونا حيوانات مفترسة/ وبقساوة وغضب/ سوف نشرب دماءكم" (ص67). إن المعنى الذي ورد في نص قصيدة فدوى، وإن استحضر مقولة هند، إلاّ أنه استحضر أيضاً سطر (مناحيم بياليك).. وستتفهم (زيمير) فدوى، وستكتب مقالة في (دافار) توضح الأمر للقرّاء اليهود.

ولا أعرف إن كان هناك دارس درس قصيدة فدوى وكتب عن تناصها مع الشعر العبري. إن سيرة فدوى هي التي تمدنا بهذا، وهي التي تضيء القصيدة أكثر وأكثر.

47 عدد مرات القراءه