الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

"صدمة غروسمان" في مصر: نموذج للتدليس الفكريّ .. أنطوان شلحت

اغسطس 08,2017 بقلم

image

آراء"صدمة غروسمان" في مصر: نموذج للتدليس الفكريّديفيد غروسمان ومترجمتهشارك هذا المقال 4525 

 حجم الخط

لاحظت مواقع إلكترونية في دولة الاحتلال الإسرائيلية أن ردود الفعل التي صدرت عن حفنة من المثقفين المصريين على فوز الروائي الإسرائيلي دافيد غروسمان في حزيران/ يونيو الفائت بجائزة "مان بوكر" البريطانية لعام 2017 عن روايته "حصان دخل إلى حانة" الصادرة في عام 2014، تشي بـ"تغير ملموس في الخطاب الثقافي المصري" مؤداه "التفاعل إيجابيًا مع هذا الفوز بعيدًا عن الأنماط المعهودة"، وفق ما كتب تحديدًا موقع "المُغرّد".

 

وبرأي هذا الموقع ذاته الذي يقوم بـ"إشهار" دولة الاحتلال باللغة العربيّة، بلغ التفاعل الإيجابيّ السالف ذروته لدى وزير الثقافة المصري السابق جابر عصفور الذي قال إن "فوز الأديب الإسرائيلي دافيد غروسمان أمر طبيعي، فإسرائيل لها حضور دولي مهم لكونها بنت المجتمع الدولي".

 

والمثير للدهشة هنا، بحسب ما كتب الموقع، أن عصفور، الذي تولى منصب وزير الثقافة في واحدة من أحرج الفترات في تاريخ مصر المعاصر، "اعترف بمكانة إسرائيل الأدبية عند الحديث عن منح غروسمان جائزة مان بوكر"، وأكد أن إسرائيل وهي دولة صغيرة كانت أسبق من مصر ذاتها والعرب في الفوز بجائزة نوبل. وكما قال عصفور لموقع "اليوم السابع" (من أهم المواقع الإخبارية المصرية طبقًا لـ"المغرّد" الإسرائيلي) فـ"إسرائيل حصلت على جائزة نوبل عام 1966 قبل حصول نجيب محفوظ عليها. ولا بُدّ من أن نكون منصفين فالأدب الإسرائيلي يستحق أن يحصل على جوائز عالمية"، من دون أن يُحمّل نفسه عناء تفسير دوافع ذلك.

 

واعترف عصفور أيضًا بـ"تقدّم إسرائيل الأدبي"، مشيرًا إلى أنها بلد مُتطوّر على كافة المستويات في القراءة والبحث العلمي والمنشورات العالمية، كما أنها تترجم عددًا كبيرًا من الكتب يفوق ما تترجمه كل الدول العربية مجتمعةً.

 

وورد في الموقع الإسرائيلي كذلك، أنه في سياق حوار أجراه "المُغرّد" في مقر الأدباء المصريين في قهوة البستان الثقافية في منطقة باب اللوق التاريخية، قال أحد الأدباء الشبان تعليقًا على حديث عصفور إن الشارع الثقافي المصري أصيب بالتأكيد بما أسماه "صدمة غروسمان"، وهي الصدمة التي دفعته إلى قول الحقيقة والإشادة بالأعمال الأدبية لهذا الأديب الكبير. ويضيف الأديب نفسه أن غروسمان استطاع تحريك المياه ودفع الأدباء المصريين للإشادة به، وهو ما لم يحدث في السابق مع أي أديب إسرائيلي على الإطلاق. ومما قاله بهذا الشأن: "لا شك في أن الإشادة المصرية في صفوف كبار المثقفين بفوز غروسمان بجائزة  مان بوكر الدولية تعكس مكانة إسرائيل على الساحة الأدبية، والأهم من هذا أن هناك نماذج أدبية في المجتمع الإسرائيلي تستحق القراءة والمتابعة".

 

ورأى هذا الأديب أن من الأفضل حاليًا تكريس البحث في الأعمال الأدبية لغروسمان وترجمتها إلى العربية والإهتمام بها، نظرًا إلى "ما يمثله من حالة أدبية متميزة يجب إلقاء الضوء عليها".

 

كما أبرز موقع "ميمري" الإسرائيلي المتخصص في دراسة وسائل الإعلام في الشرق الأوسط، ردود الفعل المصرية هذه إلى جانب ردود فعل عربية أخرى مغايرة لها نصًّا وروحًا.

 

تقرير "اليوم السابع"

 

واستند هذان الموقعان بالأساس إلى تقرير ظهر في صحيفة "اليوم السابع" المصرية يوم 15 حزيران/ يونيو 2017، غداة إعلان فوز غروسمان بالجائزة المذكورة.

 

ولدى العودة إلى هذا التقرير نصادف أيضًا أن الدكتور الناقد حسين حمودة يقول فيه إن الكاتب غروسمان  يستحق الجائزة. ويوضّح أنه "ليس محسوبًا على المؤسسة الإسرائيلية لأنه من المنتقدين للسياسات الإسرائيلية إضافة إلى أنه من الداعين لاستعادة الفلسطينيين وطنهم". ويشير إلى أن كتابات غروسمان "تنطلق من تصوراته، البعيدة عن التعصب، ولذلك تثير انتقادات كثيرة داخل إسرائيل". ويلفت إلى أن فوز غروسمان  بجائزة "مان بوكر" الدولية "يجعلنا نفكر في تعبير الأدب الإسرائيلي، هل المقصود به الأدب المكتوب باللغة العبرية، أم الأدب الذي يدعم السياسات الإسرائيلية الرسمية؟".

 

وتابع حمودة، بموجب ما جاء في تقرير "اليوم السابع"، أن غروسمان على كل حال بعيد عن هذه السياسات الإسرائيلية، ولعل هذا كان جزءًا من اعتبارات اللجنة التي منحته هذه الجائزة. وأضاف: "لا يمكن لأي أدب أن يفرض نفسه باعتباره تعبيرًا عن سياسة بعينها، وبالتالي لا يمكن لما يسمى بالأدب الإسرائيلي أن يفرض سيطرته على الواقع الثقافي في أي بلد من البلدان، فالأدب ينتشر ويحظى بالاعتراف باعتباره أدبًا إنسانيًا أولًا وأخيرًا، ولهذا  نتصوّر أن غروسمان ينتمي في كتاباته إلى هذا الأدب الإنساني". ولفت حمودة إلى أننا "في الحقيقة بحاجة إلى معرفة أكبر بكل ما يكتب في إسرائيل مثلما يعرفون هم كل ما نكتب".

 

تدليس فكريّ

 

تجسّد الاقتباسات أعلاه، في الجوهر، نموذجًا لما يمكن اعتباره صنفًا من التدليس الفكريّ. وإذا ما كان المقام يستدعي عدم التوقّف مليًا عند الخفّة غير المُحتملة في تصريح عصفور بأن "إسرائيل لها حضور دولي مهم لكونها بنت المجتمع الدولي"، متغاضيًا عن المشروع الاستعماري الإحلالي الذي مهّد الأرضية لها، لا يجوز المرور بصورة عارضة على قول حمودة أن غروسمان ليس محسوبًا على المؤسسة الإسرائيلية لأنه من المنتقدين للسياسات الإسرائيلية، لسبب بسيط أن انتقاداته لا تطول المنابت الفكريّـة لهذه المؤسسة، ولذا فإن عنصر الاحتواء بين الجانبين هو تحصيل حاصل.

 

بيد أن التدليس الأشدّ عبثًا هو تأويل هذه الانتقادات بكونها "دعوة لاستعادة الفلسطينيين وطنهم". هنا يبرز جهل حمودة أو ربما تجاهله العامد لمصطلح "وطن الفلسطينيين". والحقّ أنه جهل لا يتسّم به غروسمان، الذي يجاهر بأنه مؤيد لإقامة دولة فلسطينية بجوار دولة الاحتلال. والفارق كبير جدًا بين "الدولة" و"الوطن".  

 

إن الحديث عن "وطن الفلسطينيين" يستلزم التعامل مع تبعات ما حدث في 1948 وكل ما سبقه من ممارسات صهيونيّة كانت بمثابة تمهيد له. وغروسمان كغيره من معظم الأدباء الإسرائيليين يعودون- في ما يختص بالقضية الفلسطينية- إلى ما حدث في عام آخر هو 1967، كونهم يقصدون الدولة لا الوطن. بل أكثر من ذلك، يصرون على أن يؤدي قيام هذه الدولة إلى التخلي عن الحقوق في الوطن.

 

وبغية إنعاش الذاكرة بهذا الموقف أعادت صحيفة "هآرتس" بالتزامن مع فوز غروسمان بالجائزة الدولية، نشر خمسة مقالات له ظهرت على فترات متباعدة في الصحيفة، وقالت إنها تتيح إمكان القيام بإطلالة على أفكاره ومواقفه.

 

كان المقال الأول (ظهر في 24/2/2012) حول عمر أبو جريبان، من سكان قطاع غزة، وهو "ماكث غير قانوني" في إسرائيل، أصيب بجراح خطرة وهو يستقل سيارة، وسُرّح من مشفى إسرائيلي قبل أن ينتهي علاجه، ونقل إلى الاعتقال في أحد مراكز الشرطة حيث لم ينجح أفرادها في معرفة هويته لأنه كان مُشوّشًا، فقرروا التخلّص منه وأقلوه في سيارة دورية الشرطة في الليل مع ثلاثة من الشرطة بينما كان بحفاضة ورداء المشفى ومربوطًا بحقنة، وألقوا به على قارعة الطريق، وبعد يوم من ذلك عثر عليه ميتًا.

 

ويقرّ الكاتب أنه منذ قرأ هذه القصة وجد صعوبة أكبر في تنفّس الهواء في البلد.

 

وخلص إلى القول: "أعرف أن أفراد الشرطة الثلاثة لا يمثلون كل الشرطة، ولا المجتمع، ولا الدولة. أعرف أنهم مجرد حفنة أو تفاحات عفنة أو أعشاب ضارة. لكن في الوقت عينه أفكر بما يلي: إن من ألقى بشعب كامل على قارعة الطريق منذ 45 عامًا (يقصد منذ احتلال 1967)، ولا ينفك يدير له ظهر المجن، وينجح في أن يبني لنفسه حياة لا بأس بها على الإطلاق، في ظل الكبت المتطور على نحو مدهش، والعبقريّ، للمسؤولية عن هذا الوضع، وإضافة إلى ذلك أيضًا ينجح في تجاهل معنى التشويه والجنون اللذين خلقهما على مدى هذه الأعوام في منظومات حياته نفسها، لماذا يتأثر بعمر واحد كهذا؟".

 

وفي مقال ثان (ظهر في 15/7/2016) أعرب غروسمان عن تعاطفه مع جندية إسرائيلية رفضت الخدمة العسكرية الإلزامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 وعن استفظاعه لأسلوب ملاحقتها من جانب الجيش الإسرائيلي. غير أنه في الوقت ذاته أكد أن حالة هذه الجندية جعلته يواجه معضلة ناجمة عن كونه مناهضًا لمبدأ رفض الخدمة العسكرية الإلزامية نظرًا إلى شعوره بأن ما تبقى من الديمقراطية الإسرائيلية هشّ وواهن ومجرّد الاستئناف على القوانين يهدّدها بالخطر، وكذلك لكون الجيش الإسرائيلي ليس جيش احتلال فقط وإنما أيضًا جيش الدفاع عن إسرائيل في وجه المخاطر الخارجيّة. 

 

وفي مقال ثالث (ظهر في 2/8/2015) وتركز في جريمة إحراق عائلة دوابشة الفلسطينية في قرية دوما بالقرب من نابلس، من طرف عصابة مستوطنين إسرائيليين، كتب غروسمان: "سارع بنيامين نتنياهو وعدد من وزراء اليمين إلى استنكار هذا العمل بشدة. وجاء نتنياهو لزيارة عزاء إلى المستشفى، وعبر عن صدمته من العمل. كان ردّ فعله إنسانيًا أصيلًا، وعملًا صائبًا. غير أن الأمر الذي لا يمكن فهمه هو كيف ينجح رئيس الحكومة ووزراؤه في الفصل بين النار التي يؤججونها منذ عشرات الأعوام وبين هذه النار الأخيرة. من الصعب أيضًا تفهم عدم قدرتهم على رؤية الصلة بين سلطة الاحتلال التي تستمر منذ 48 عامًا وبين الواقع الظلامي المتطرف في مناطق حدود الوعي الإسرائيلي، هذا الواقع الذي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم ويقترب من المركز ويصبح مقبولًا وشرعيًا أكثر فأكثر في الشارع الإسرائيلي والكنيست وبالقرب من طاولة الحكومة".

 

وأجمل الكاتب الصراع على النحو التالي: "منذ مئة عام يدور الفلسطينيون والإسرائيليون في دوامات القتل والانتقام. وخلال هذا الصراع قتل الفلسطينيون مئات الأطفال والأولاد الإسرائيليين، قتلوا عائلات كاملة ونفذوا جرائم حرب ضد الإنسانية. وإسرائيل أيضًا نفذّت ضد الفلسطينيين جرائم كهذه بمساعدة الطائرات والدبابات والقناصة".

 

تعيد هذه المقبوسات إنتاج الفرضية التي يتبناها غروسمان وأمثاله وتفيد بـ"وجود حلم صهيوني صاف وبريء أصبح مُلطخًا بسبب احتلال 1967". وهي فرضية تهدف إلى تجاوز حقيقة أن ذلك "الحلم" مُلطّخ أصلًا، وما كان مُقدّرًا له سوى أن يؤدي إلى ذلك الاحتلال، وإلى ما هو أوحش.

 

ولا شكّ في أن غياب الذهن أو تغييبه عن هذه الفرضية التي من شأنها أن تموضع غروسمان وغيره من الأدباء الإسرائيليين من دون أن تسقط واقع كونهم معارضين لاحتلال 1967 إنما ليس من منطلق تأييد حق الفلسطينيين في استعادة وطنهم حصرًا، يفسح المجال أمام كل ذلك القدر من التدليس الذي مارسته حفنة من المثقفين المصريين في ما أوردناه أعلاه.

 

بطبيعة الحال فإن سائر ما نطقت به هذه الحفنة من أقوال بشأن ضرورة معرفة ما يُكتب في إسرائيل من أدب وغيره يظلّ مجرّد تفصيل قليل الأهمية لكون دافعه الرئيسيّ مُصابًا بنقطة عمى حيال تلك الفرضية حتى وهي لا تُخفي أنها ماضية نحو شرعنة النكبة التي ابتلي بها الشعب الفلسطيني عام 1948، ولا سيّما في وعي العرب، إلى درجة التماهي مع شرعنة الصهيونية لغة ومعادلات وتلفيقات، وهو فعل أقل ما يُقال فيه إنه يُعادل إلغاء الذات.

27 عدد مرات القراءه