الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

السؤال هو: ماذا حدث قبل داعش؟ .. هيفاء زنكنة

يوليو 15,2017 بقلم

image

اتخذت تصريحات مسؤولي الحكومة العراقية، في الأيام الأخيرة، منحى جديدا، فيما يخص محافظة نينوى، شمال العراق، وعاصمتها الموصل. تحاول التصريحات الاجابة على سؤال أريد منه طمس جبال المصائب الأخرى التي يعيش في ظلها المواطنون، وهو : ماذا بعد داعش ؟ فالانتصار على « الدولة الاسلامية»، على مبعدة بضعة أمتار، اذا أخذنا المقياس المكاني، أو عدة ايام، بالمقياس الزمني، مع اغفال المقياس البشري لاحصاء الضحايا من المدنيين والمتقاتلين. تتناوب على تقديم الأجوبة جهات متعددة من بينها الحكومة ( بشقيها المركزي واقليم كردستان) والميليشيات ( الحشد الشعبي بأقسامه الثلاثة والعشائر) والمتعاقدين من دول التحالف بقيادة أمريكا.

في داخل العراق، يتبين عند مراجعة أجوبة المسؤولين الحكوميين والساسة الذين يغذون شراهة استديوهات البث التلفزيوني، على مدى 24 ساعة يوميا، بان لدى الجميع وصفة جاهزة لـ «مرحلة ما بعد داعش»، قد تختلف مسمياتها، الا انها ذات مضمون واحد، وهو:» اعادة اعمار الموصل». الوصفة الاولى، هي التي أعلنها الأمين العام لمجلس الوزراء في 14 حزيران/يونيو 2017، بعنوان «الخطّة الاستراتيجيّة لإعمار الموصل». تم الاعلان عنها قبل أسبوعين فقط، وبعد ان بات حجم الدمار العمراني والبشري «واحداً من أسوأ التطوّرات التي شهدتها الحملة لتحرير المدينة»، حسب ممثلة البرنامج الإنمائيّ لمنظّمة الأمم المتّحدة في العراق، وبلغ عدد النازحين رقما قياسيا، مما يعطينا فكرة عن مدى قدرة المسؤولين الحكوميين، على التفكير الاستراتيجي وجديتهم في تنفيذ الخطط والمشاريع، وتشكل مؤشرا لما هو آت في الايام المقبلة.

نقرأ في بيان صادر من وزارة التخطيط، بأن الاعمار سيكلف 100 مليار دولار على مدى عشرة اعوام، حسب الخطة الاستراتيجية، أو عشرين عاما، حسب «خطّة اعادة إعمار المناطق المحرّرة»، التي لا تقتصر، افتراضا، على محافظة نينوى بل تمتد إلى محافظات أخرى، تعرضت مدنها، كما الموصل، إلى التهديم بمعدل 70 بالمئة من بيوتها ومؤسساتها إلى المستشفيات والمدارس والجامعات ومحطات تزويد الطاقة والمياه، أي عموم البنية التحتية، بالاضافة إلى مأساة النازحين، قبل وبعد القاعدة وداعش، الذين تحولت معسكراتهم المؤقتة إلى شبه دائمية، لما تدره من أرباح للعديد من الجهات.

من يقرأ الخطة الاستراتيجية لا يلام اذا ما فكر بأن هناك حكومة وطنية تعمل اولا وأخيرا من اجل مصلحة مواطنيها وانها سائرة، لا محالة، في طريق اعادة اعمار المدن المحررة. فكل شيء على الورق يبدو رائعا، كما كانت خطة «تحرير» العراق واعماره الموعود خلال ثلاثة أشهر فقط (مرّت هذه الأشهر الثلاثة ووعودها خمسون مرة منذ الاحتلال، ونحن الآن في الشهر الـ 170 بعد «التحرير» والخراب هو هو في محافظات العراق كلها تقريبا، او يزداد!)، الا ان مراجعة بسيطة لـ « انجازات « الحكومة الحالية، قبل انبثاق «داعش»، سيعيد ترتيب الصورة، بعيدا عن الرطانة السياسية، ونزاعات المتسابقين على رفع راية الانتصار، ليجعل الاولوية لأسئلة على غرار : من الذي سيتحمل تكلفة اصلاح الخراب، شبه الكلي، للمدن؟ ومن الذي سينفذ مشاريع الاعمار، وأعادة الامن والاستقرار، وما هو أعمق من ذلك أي اعادة الثقة بالحكومة وتعويض الضحايا والبدء بمجريات العدالة الانتقالية بمراحلها المختلفة؟

هل هي الحكومة العراقية المعروفة، عالميا، بأنها من الاوائل في قائمة الدول الأكثر فسادا بالعالم، والموصوفة عالميا، أيضا، بأنها حكومة فاشلة تديرها الميليشيات المسلحة الناشطة خارج نطاق القانون، المتغذية على الثروة النفطية بينما يعيش ثلث الشعب تحت خط الفقر؟ ماذا عن الطائفية التي تنخر المؤسسات؟ كيف سينفذ مشاريع تأهيل بيوت النازحين من يسرق مساعدات النازحين ويبيعها لهم؟ كيف ستنفذ مشاريع الاعمار والاصوات تتعالى مطالبة بحصة، في غنيمة الموصل، ثمنا لـ « دماء شهدائنا»، كما يصرح قادة الميليشيات، أو ملكا لأقليم كردستان ثمنا ل « شجاعة البشمركة» أو لأنها من المناطق «المتنازع عليها»، ويوم الاستفتاء على انفصال الاقليم سيحل قريبا؟

تشير تصريحات المسؤولين إلى ان البنك الدولي سيمنح العراق قروضا جديدة، بالاضافة إلى قرض بريطاني بقيمة 10 مليارات جنيه استرليني، لتضاف إلى سابقاتها التي نعرف جيدا أين انتهت بينما سيتحمل المواطنون عبء تسديدها على مدى عقود. هناك حديث، ايضا، عن مساعدة دولية، والدول المانحة، كما يعرف الجميع، ليست منظمات خيرية بل تأتي مساعداتها مربوطة برزمة شروط لابد ان تنفذها الدولة المتلقية. يلخص الرئيس الامريكي دونالد ترامب هذه الرزمة تحت عنوان « النفط مقابل الاعمار». وهو تصريح يجب التعامل معه، بشكل جدي، اذا ما أريد للعراق ان يحافظ على ما تبقى من ثروته النفطية، خاصة بعد ان نفذ ترامب مشروع « العقود العسكرية مقابل الحماية» مع السعودية وبقية دول الخليج.

الى جانب عقود الادارة الامريكية، العسكرية والاستخباراتية، يتحدث المسؤولون العراقيون عن عقود مع شركات أجنبية، من ذات الدول التي ساهمت بتدمير العراق. ولا تقتصر العقود على شركات الاعمار بل تتضمن، بطبيعة الحال، الشركات الأمنية الخاصة التي اصبحت ضرورة من ضرورات العمل في مناطق «ما بعد النزاع»، كبديل رخيص لقوات الاحتلال في توفيرها المرتزقة / الحماية/ الحراسة/ ادارة المعتقلات/ التحقيق مع المعتقلين والعمليات القذرة. واذا كانت سمة النظام العراقي الاولى هي الفساد فأن مسؤولية مأسسة الفساد، بشكله الواسع، هو الاحتلال الانكلو أمريكي عبر عقود الشركات الاحتكارية واستشراء ظاهرة الافلات من العقاب. ومن المفيد مراجعة مشاريع الاعمار التي بقيت حبرا على ورق بينما تلاشت مليارات الدولارات فسادا، ومثالها ما كشفته صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، في 24 آذار/مارس 2013، عن عشر شركات عملاقة حققت أرباحاً طائلة قدرها 72 مليار دولار من خلال» مشاريع اعمار وخدمات دون أن تحقق تلك المشاريع أي شيء»، حسب السيناتور الديمقراطية كلير ماكاسكل.

الملاحظ في ضجة التصريحات والبيانات والصراع اليومي حول من الذي سيحصل على ماذا في «مرحلة ما بعد داعش» ان الساسة والمسؤولين العراقيين والامريكيين وبقية دول التحالف اختاروا التعامي الانتقائي عن سؤال كان يجب ان يكون هو الاول لو كانت نية اعمار العراق، وليس الموصل وحدها، صادقة. السؤال هو: ما الذي حدث قبل داعش؟

 

٭ كاتبة من العراق

50 عدد مرات القراءه