حدائق جمال عبد الناصر أو متنزه البلدية هكذا كان يطلق عليها الأهل قديما،فهي المتنفس الوحيد لأهل البلد حيث الأشجار مختلفة الألوان والإزهار وأشتال الورود والزنابق والياسمين المتداخلة مع الأسوار والاسيجة والتي يتلذذ الزائر في مناظرها الجميلة والخلابة الرائعة،ولكونها مقامة في قعر الوادي، فان إطلالة جبلي عيبال وجرزيم يزودان المشهد بسحر غير ذي سحر وجمال ذو فرادة غير معهودة بحيث ينثال الى النفس كل ما في الدنيا من ابتهاج وسرور ويخرج كل ما في القلب من إحباط وقمع وكياسة،وكلما تلحظ طيرا يغرد أو عصفورا يغني تتذكر قول الشاعر:
ما تراها والحقل ملك سواها تخذت منه مسرحا ومقيلا
حدائق جمال عبد الناصر الذي أطلق عليها هكذا غداة وفاة الرئيس المصري تخليدا لاسمه ولمواقفه القومية من قضيتنا الوطنية،وللربط القومي بين مدينتنا ومصر " التي اعتبرتها الدول العربية في بداية القرن الماضي "بيضة الوطنية والقومية "
هذه الحدائق الغناء تجمع بين الحداثة والتراث، بحيث لا يفوتك مشاهدة المدرج الذي شيد حديثا في الهواء الطلق ومسرحه الرحب أمام الأقواس القديمة التي بني فوقها قناة لري البساتين وقتذاك! وجود هذا المدرج لربما ينبئ بثورة فنية لا حصر لها باعتبار الفن موقدا للثقافة التنويرية.
الزائر يجد في هذه الحدائق وفرة في المقاعد الخشبية،والإسمنتية المتحدة مع إطارات السيارات وللأطفال ملا عب،ومراجيح،والعاب وللسابلة ممرات ومدرجات،وللمصلين متوضأهم. ينبعث السرور الى النفس مرة أخرى عندما تجد كل عائلة أو مجموعة متخذة زاوية لخلوة خاصة بها،كالاحواش الممتدة في كبد البلد ومكونا رئيسا من مكوناتها.
ما يلفت الانتباه في هذه الحدائق،هو ممراتها الحديثة التي تدعوك لزيارتها صيف شتاء وخاصة إن كنت هاويا لرياضة المشي والهرولة وشغوفا بالهدوء المطلق ولنسيمات الصباح،أو عاشقا لمشاهدة بعض الحشرات أو فضوليا لمعرفة كيف تشتاق الزهرة الى قطرة الندى إذا ارتفع الضحى واشتد عليها حر الشمس كلما تقدم النهار،أو كيف تهيم الزهرة بقطرة الندى إذا أظلها المساء وأقبل البرد.
هذا الفضول ،والهيام،والعشق،وممارسة هوايتك ،تجعلك تخرج خارج السياج،خارج الحصار،خارج الجدار، وخارج الحواجز والأسلاك الشائكة وروتين الاجتياحات والفضائيات والبيت والعمل،وتأخذ بيدك لتتواصل مع ذاتك،ومع الآخرين لتصنع حياة غير حياة مما يمنحك القوة والتجدد والاستمرار والبقاء.
أسراب الطيور المتنوعة، في هذه الحديقة، تتواجد صباحا لالتقاط ما تُرك من بقايا أكل وشرب مساءً،ثمة شيء غريب يدعوك لمتابعة تلك الخلائق ،عدى جمالها وسلوكها،لا أستطيع اقراره،أهو الغرابة والفرادة؟ أحب الفضول؟،أم الهروب من هموم الحياة المليء بالتناقضات أم نسج واقع جديد فيه الهدوء والانسجام والجمال والمصالحة مع الذات؟
مشهد الطيور ماثل أمامك،فهي تبحث عن رزقها وقوت أفراخها،وقلما تجدها تتناحر أو تتصارع حد الاقتتال،ربما لقناعتها بتناول طعامها بملء معدتها ومعدة صغارها متخذة من مقولة امرؤ ألقيس " اليوم خمر وغدا أمر " عبرة لها.
الطيور في تلك الحدائق تجعلك تهيم في عالم غير عالم وفضاء غير فضاء.