الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

الأعراس والجندر ..عائشة عودة

اكتوبر 12,2012 بقلم

image

تستوقفني أعراسنا اليوم كثيرا، فأعود بها إلى ذكريات الطفولة، ونحن نجلس فوق الحيطان لمشاهدة الشباب يدبكون في حلقات على صوت الشبابة والأرغول، في ضوء القمر والمشاعل، في ساحة الحارة التحتى. بينما الصبايا يدبكن في حلقة أخرى بالقرب منهم، وأتذكر كذلك يوم زفة العريس بعد خروجه من الحمام وطبعا الحلو حامض الذي كان يوزع علينا.

أتذكر حفلة وداع العروس قبل خروجها من بيت أبيها إلى بيت زوجها بشكل خاص، وذلك الطقس الذي تخلقه صويحباتها في أغاني "التراويد" الخاصة بذلك. لم يكن يرافق التراويد زغاريدا أو تصفيقا أو رقصا. بل كانت غناء جماعيا للصبايا وهن يقفن متكئات على أكتاف بعضهن، يتمايلن ذات اليمين وذات الشمال كما الأمواج، بينما يسافر صوتهن الجماعي عبر محيطات بعيدة وأزمان سحيقة، فيستحضر حزنا دفينا، تسبّل الصبايا عيونهن في حالة سفر داخلي، فتسيل الدموع من العيون المسبلة. يرث قلبي الصغير حزنا لا قرار له، وأشارك في الدموع. يصل الحزن ذروته لحظة خروج العروسه التي تشهق بدموع غزيرة تسحها لحظة خروجها من بيت أهلها كما لو كانت تخلع من جذورها ويدفع بها نحو محيط تتلاطمه أمواج عاتية، في الوقت الذي لا تجيد فيه السباحة. يورث الطقس حزنه إلى الطفلة التي كنتها ويتساءل: هل الفرح خاص بالشباب ومن أجلهم فقط، بينما الحزن خاص بالفتيات؟ يرفض وعي الطفلة تلك القسمة وتتمرد عليه بأن تسّر لذاتها: لا أريد أن أكون عروسة!

بعد عدد من العقود تغيّر الإيقاع. رأيت لأول مرة عروسين يرقصان معا فرحين، تكاد أن تنبت لهما أجنحة من فرح، ليرفرفا في سماوات لا حدود لها. دارا على المدعوين بأيد متشابكة وفرح غامر، سرى في أوصالي وأوصال الجميع، شاركناهما الفرحة بالغناء والرقص. يومها طار قلبي فرحا ونبتت لي أجنحة من السعادة. فالفرح لم يعد نصيب شريك دون الآخر، والعروسة لم يعد يقذف بها وإنما تختار بإرادة حرة وبوعي لما تقدم عليه.

كان العُرس لرفيقين مناضلين، بتكاليف غاية في البساطة، ليس فيها من الذهب إلا خواتم العرس، والفستان الأبيض اشتريناه لرفيقتنا من البالة بسعر بسيط ونظفناه. لكن العرس كان فيه فرح وسعادة بلا حدود.

الحالة الأولى تبتعد عنا بأكثر من نصف قرن، وهي ممتدة في تاريخنا لعديد من القرون، وها أنا أحاول تحليلها من أجل فهمها. أفكر أن ذلك الحزن العميق كان ينبع من إحساس غائر في القلوب ينبع من زمن بعيد بعيد، حصل فيه صدع كبير، وقع فيه ظلم عميق على النساء، حتى جرّدن من الإرادة الحرة التي أودعها الله في مخلوقه الانسان ذكرا كان أم أنثى. ظُلْم أوقع البشرية في حالة انكسارٍ عمودي، كان نتيجته أن حلّت قوانين سيطرة القوة التي عادة تتصف بالقهر والإخضاع. ذلك

النظام يعطي الرجل حق السيطرة على المرأة وإخضاعها لقوانينه ومصالحة. هذا النظام ذاته حدد للمرأة حقوقا بسقف محدد، فألزم الرجل صاحب الولاية بتوفير احتياجات المرأة الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وحماية. والدها ملزم بهذا ما دامت عنده، والزوج ملزم به حين تنتقل ولايتها إليه، وملزم بدفع مبلغ من المال لولي أمر المرأة السابق الذي بدورة ملزم أن يحول جزء منه إلى ذهب يعطى للعروسة كقيمة استراتيجية قد تجده المرأة حين تقع في ضيق. (يذكرني هذا بالقوانين التي فرضت على قوى الاحتلال تجاه الشعوب التي تقع تحت الاحتلال)

في نصف القرن الأخير، جرت تغيرات هائلة على مختلف مناحي الحياة البشرية أهمها تطوّر العلوم والتكنولوجية، ساهمت في إثراء الوعي الإنساني بمعارف فاقت كل معارفة على مر التاريخ، مثلما ساهمت في التواصل بين الشعوب والأمم وانتقال الخبرات والتأثر بالمفاهيم والقيم فيما بينها.

تأثرت مجتمعاتنا في التغيرات التي تجري في العالم ومن أهمها وضع المرأة التي فتحت المجالات لها لتنهل من العلم كما أخيها. حملت الشهادات العلمية وتفوقت في بعض الأحيان، وراحت تشارك في الانتاج رغم تواضع نسب المشاركة التي ما زالت أقل من الطموح وأقلل مما يبذل من جهود وإمكانيات، كما أن خلخلة في قوانين السيطرة السابقة آخذة في التسارع.

اليوم وخلال السنوات الأخيرة أرقب أعراسنا وأحتار. مثلا؛ العروسان يحملان شهادات عليا من نفس الجامعة وفي كثير من الحالات في نفس الاختصاص، وهما يعملان كل في مجاله، ويتزوجان بإرادتيهما الحرة دون تدخل الأسرتين إلا بالمباركة، وسيؤسسان أسرة قائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، ومع ذلك، فعلى العريس أن يقدم ذهبا للعروس بما يعادل أو يزيد عن خمسة أو ستة آلاف من الدنانير! كما عليه أن يوفر البيت ويؤثثه حسب رغبتها واختيارها، وأن يشترى الثياب الجديدة للعروس، ويدفع الآلاف العديدة لفساتين العرس والصالونات التي تجمل المرأة وتغير خلقتها، ويقيم الموائد التي تذبح فيها الخراف ويستأجر القاعات وفرق الغناء وفرق الدبكة (نطور الأعباء على أنفسنا) و و و،، لا أريد أن استرسل في سرد المصاريف التي يتحملها طرف دون آخر.

لا بد من الاعتذار عن هذا السرد الممل والمعروف للجميع، لكني وجدته ضروريا كأرضية لبعض التساؤلات:

-         هل ما زال هذا النظام في الأعراس صالحا ليعبر عن تطلعات الأجيال الجديدة؟ وماذا يقول فيه خبراء وخبيرات الجندر؟ وهل أقدم هؤلاء الخبراء والخبيرات على عمل ورشة ولو واحدة لتحليل مظاهر الأعراس عندنا، مثلما قاموا بعشرات إن لم تكن مئات من ورشات العمل والدراسات لتحلل الجندر في برامج الوزارات والمؤسسات المختلفة و و و..؟ ولماذا هذا الغياب عن النظام الأكثر تأثيرا في حياة المرأة والرجل والأسرة والأجيال المختلفة؟ هل لأن مصاريف الأعراس (بل صناعة حفلات الأعراس) هي الصناعة الوحيدة التي نقوم على تطويرها بما يخدم الاقتصاد الاستهلاكي ويبعدنا عن الاقتصاد المنتج، وبما يكرس تبعيتنا ويستمر في شدّنا إلى نُظمٍ غير فاعلة، بل إنها تثقل كاهل الأسر وتبقيها رهينة للديون والقروض المختلفة لفترات طويلة؟

-         من الطرف الذي يمكنه أن يكون فاعلا وحاسما في التغيير، الشاب أم الفتاة؟ ومن الذي تقيده العادات والتقاليد أكثر؟

-         إذا كان دفع الأموال وشراء الذهب حاجة ضرورية لامرأة لم تمتلك إرادتها بعد، وما زالت حبيسة البيت وغير مؤهلة لخوض الحياة بكفاءة؟ فكيف لفتاة أخذت كامل فرصتها في التعليم والعمل أن تقبل لنفسها أن تتمسك في القوانين التي سُنت لخدمة نظام قائم على مصادرة إرادتها وإبقائها تحت الوصاية، فتقبل أن يدفع لها أسوة بالمرأة الأولى؟  كما أوجه للشاب سؤالا مشابها ليس من أجل البحث عن مهرب له من الالتزامات التي تفرضها تقاليد، نحن أسرى لها، ولكن من أجل إنسان له موقف ودور في التغيير وصنع المستقبل بوعي كامل وليس بانقياد لقوانين عفى عليها الزمن. 

 سؤال آخر؛ كيف أن هذين الزوجين المتعلمين والعاملين لم يستطعا أن يطوّرا مفاهيما مشتركة يخضعانها إلى الممارسة العملية ويساهمان معا في عملية التغيير الايجابية والجوهرية في حياتهما وفي مجتمعهما؟ أم أنهما كانا يقضيان وقتهما الثمين كيف سيضيفان رتوشا جديدة على تقاليد نشأت ليس لعصرهما؟

إذا لم يغير المتعلمون، فمن سيقوم بالتغيير؟

 شخصيا أعرف أن الذي يحدث التغيير هم الثوريون الذين ينخرطون في العمل والنضال لتغيير حالة الأمة، بل أقول: إن من لا ينخرط في النضال في الشأن العام أضعف من أن يترك فيه أثر، حتى لو حمل شهادات علمية عالية ووصل إلى أهم مواقع صنع القرارات، هو/ي أقرب تحويل الشهادة وموقع القرار الى أداة استغلال لشعبه ولموقعه. هنا يطرح سؤال آخر: أي تأثير يخلقه التعليم عندنا؟ وأي وعي ينشئه تجاه الذات والحياة والعالم؟

 

122 عدد مرات القراءه