الاكثر قراءه
 
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله
بحث
 

المرأة والقهوة .... محمود درويش

اغسطس 12,2011 بقلم

image

سألني صديقي ونحن على شاطئ البحر عند الغروب ،
لماذا تحب القهوة وألحظك تتذوقها بمتعة تُحسد عليها ؟؟؟

أجبته :ربما لأن في القهوة الكثير من المرأة والحب .

قال : كيف ؟

قلت : تعال نستعرض الأمر وحدة وحدة ...وشفة شفة ...
قال : كلي آذان صاغية ، هات يا فيلسوف القهوة
قلت : المرأة كالقهوة والقهوة كالمرأة ... أذواق
بعضنا يحبها حلوة ... وبعضنا يحبها مُرّة
بعضنا يحبها خفيفة ... وبعضنا يحبها ثقيلة
بعضنا يحبها وسط ... وبعضنا يحبها عالريحة
البعض يحبهامغلية ... والبعض يحبها مزبوطة
آخر يحبها رائقة ... وآخر يحبها وعلى وجههاقشوه
واحد يحبها ساخنة ... والثاني يحبها فاترة
الثالث يشربها شفة شفة ... والرابع يشربها شفطاً
الخامس تسمع صوته وهو يشفها ... والسادس يذوقها علىالساكت
ضحك وقال : صحيح والله صحيح ... أكمل ... جعلتني أعشق القهوة
قلت : ناس يشربونها بفنجان كبير ... وناس يشربونها بفنجان صغير
ناس يمسكون الفنجان منوسطه ... وناس يمسكونه من أذنه
ناس يشربون الفنجان كاملاً ... وناس لا يشربونإلاّ نصف الفنجان
ناس يشربون القهوة ويكتفون ... وناس يحملونها معهم فيالترموس
ناس يشربونها في كل مكان ... وناس لا يشربونها إلاّ في بيوتهم
رجليحب القهوة إفرنجية ... ورجل يحبها عربية
رجل يحبها نسكافيه ... وآخر يحبها كافيوبس
واحد يحبها مع حب الهيل ... وآخر يحبها كلها حب هيل ... والباقي لا حب ولاهيل
البعض يريدها على الطريقة الفرنسية ... آخرون على الطريقة التركية ... الباقي على الطريقة العربية البحتة
الدنيا أمزجة .....

هناك من لا يشرب القهوة إلاّ إذا عرف نوع البن ...
هناك من يشربها كيفما كان البن
هناك من يبحث في البن عن ماركته العالمية ... وهناك من لا يهمه من البن إلاّ نكهتها الأصلية
هناك من يشتري البن ليحمصه على يده ... وهناك من يشتريه مطحوناً خالصاً
هناك من يشتري كيس البن مقفلاً ... وهناك من يشتري كيس البن مفتوحاً
وبعد أن يشربوا القهوة ينقسمون إلى قسمين ...
قسم يهوى قراءة الفنجان ليعرف الأسرار ويفك الرموز ،
وقسم يضحك على القارئين...
لأن رواسب القهوة مثل بعض النساء لغز لا سبيل إلى حله أبداً أبداً ،
قاطعني وقال : ولكن هناك نساء يدّعِين َمعرفتهن بقراءة الفنجان ؟؟
قلت : طبعاً ... لأنه لا يفهم المرأة إلاّ المرأة ...
ولا تنسى ياصديقي أنه وبرغم محبتنا للقهوة
لا بد أن نفهم أن الإفراط في كل شيء ضار !!!! إلاّ في الحب ...
فالإنسان كلما أفرط فيه أحس بجمال الدنيا وروعة العمر وخفايانفسه ...

سألني : وأنت يا عاشق القهوة كيف تحب القهوة ؟
قلت : أحبها مزبوطةلا حلوة كالقطر ولا مُرّة كالحنظل
سألني : مغلية أم عكرة ؟
قلت : مغلية جداً
سألني : رائقة أم على وجهها قشوة ؟
قلت : رائقة جدا
سألني : وإذاجاءتك ً وعلى وجهها قشوة ؟
قلت : انفخ أو أمسح القشوة عنها حتى يعود إليها صفاؤها
سألني : وكيف تشربها شفة شفة أم شفطاً ؟
قلت : الذين يشربون القهوةشفطاً هم الناس العاديين
الذين لا يُحْسِنون الاستمتاع بلذة الأشياء ...
أما الذين يشربونها شفة شفة فهم الفنانون الملهمون المقدرون لعظمة البن
قال : وهل يسمع الناس صوتك وأنت ترشف القهوة ؟
قلت : كانوا يسمعون صوتي عندما كنت صغيراً
... أما الآن ... فلا يسمع حفيف فمي إلاّ فنجاني المقدس وحده
قال : وكيف تُمسك بالفنجان ؟
قلت : من وسطه
قال : لماذا لا تمسك به من أذنه ؟
قلت : أبداً ... فالفنجان كالزئبق الذي إذا تركته في راحتك استقر في راحتك ،
أما إذا ضغطت عليه تسلل من بين أصابعك

سألني : وهل تشرب القهوة في كل مكان أم تشربها في بيتك وحده؟
قلت : قد لا أشربها في بيتي وحده ،ولكنني لا أشربها في كل مكان
قال : أين تشربها إذن ؟
قلت : حيث يكون فنجاني
قال : وكيف تفضل القهوة : عربية أمافرنجية ؟
قلت : أفضلها حيث أحبها ،فالوطن هو الحبيب والحبيب هو الوطن !
سألني : والبن هل تفضل أن تحمصه على يدك أم تشتريه مطحوناً خالصاً ؟

قلت : أحمصه على يدي حتى إذا احترق كنت أنا المسؤول الأول والأخير
قال : ولماذا يحترق ! ألا تُحسن التحميص ؟
قلت : مامن محمصاني إلاّ ويخطئ حتى ولو كان أمهر الطهاة
سأل : وهل أنت من هواة قراءة الفنجان ؟
قلت : أنا من هواة الدراسة
قال : وهل تخرجت من المدرسة ؟
قلت : أبداً ،لا زلت تلميذاً مجتهداً في معهد القهوة
لا أُريد أن أنتقل من صف لصف حتى لا أصل إلى التخرج !!!
قال : ها وبعدين ؟؟
قلت : القهوة هي المرأة والمرأة هي الحب والحب هو المرأة
وكلاهما كافيين الحياة ولذة الوجود


 

صدقني لذة الرجل عندما يشتعل بالقهوة طائعاً مستسلماً وسعيداً . ...
ممآ راقَ لي
أطيبُ التحايا

القهوة هي هذا الصمت الصباحي الباكر المتأني"
والوحيد الذي تقف فيه وحدك مع ماء تختاره بكسل و عزلة في ‏سلام مبتكر مع النفس والأشياء وتسكبه على مهل في إناء نحاسي صغير و داكن و سري اللمعان ، أصفر مائل إلى ‏البني ثم تضعه على نار خفيفة ، آه لو كانت نار الحطب..........‏
والقهوة هي مفتاح النهار:‏
هي أن تصنعها بيديك لا أن تأتيك على طبق لأن حامل الطبق هو حامل الكلام والقهوة الأولى يفسدها الكلام ‏الأول لأنها عذراء الصباح الصامت، الفجر نقيض الكلام ورائحة القهوة تتشرب الأصوات ولو كانت تحية رقيقة ‏مثل صباح الخير وتفسد....‏
لأن القهوة فنجان القهوة الأول هي مرآة اليد واليد التي تصنع القهوة تشيع نوعية النفس التي تحركها وهكذا فالقهوة ‏هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار.‏
أعرف قهوتي وقهوة أمي وقهوة أصدقائي أعرفها من بعيد وأعرف الفوارق بينها .. لا قهوة تشبه قهوة أخرى ليس ‏هناك مذاق اسمه مذاق القهوة فالقهوة ليست مفهوما وليست مادة واحدة وليست مطلقا لكل شخص قهوته‏الخاصة الخاصة إلى حد أقيس معه درجة ذوق الشخص وأناقته النفسية بمذاق قهوته، ثمة قهوة لها مذاق الكزبرة ‏وذلك يعني أن مطبخ السيدة ليس مرتبا ، وثمة قهوة لها مذاق الخروب ذلك يعني أن صاحب البيت بخيل وثمة قهوة ‏لها رائحة العطر ذلك يعني أن السيدة شديدة الاهتمام بمظاهر الأشياء وثمة قهوة لها ملمس الطحلب في الفم ذلك ‏يعني أن صاحبها يساري طفولي وثمة قهوة لها مذاق القدم من فرط ما تألب البن في الماء الساخن ذلك يعني أن ‏صاحبها يميني متطرف وثمة قهوة لها مذاق الهال الطاغي ذلك يعني أن السيدة محدثة النعمة.‏

لا قهوة تشبه قهوة أخرى لكل بيت قهوته ولكل يد قهوتها لأنه لا نفس تشبه نفسا أخرى ، وأنا أعرف القهوة من ‏بعيد تسير في خط مستقيم في البداية ثم تتعرج وتتلوى وتتأود وتتلوى وتتأوه وتلتف على سفوح ومنحدرات ‏تتشبث بسنديانة أو بلوطة وتتغلب لتهبط الوادي وتلتفت إلى ما وراء وتتفتت حنينا إلى صعود الجبل وتصعد حين ‏تتشتت في خيوط الناي الراحل إلى بيتها الأول.‏

رائحة القهوة عودة وإعادة إلى الشيء الأول لأنها تتحدر من سلالة المكان الأول، هي رحلة بدأت من آلاف السنين ‏وما زالت تعود ، القهوة مكان القهوة مسام تسرب الداخل إلى الخارج وانفصال يوحد ما لا يتوحد إلا فيها هي ‏رائحة القهوة هي ضد الفطام ، ثدي يرضع الرجال بعيدا ، صباح مولود من مذاق مر حليب الرجولة والقهوة ‏جغرافيا

7423 عدد مرات القراءه