استوقفني ما أوردته الصحف المحلية في استعراضها للتقرير الذي أصدرته شرطة محافظة رام الله والبيرة وتحديداً قضية الدكتور سارق الأحذية، ولست هنا بصدد الدفاع أو إيجاد المبررات لأي عمل غير أخلاقي أو جنائي ومع أن يتم تحميل المسئولية أي عمل أو جريمة لصاحبها مهما كان وأياً كان فالجريمة جريمة ولا مجال للدفاع عنها والتغاظي عنها.
ولكن برزت للسطح خلال السنوات القليلة الماضية ظواهر ومشكلات وعمليات احتيال ونصب نقلت المجتمع إلى مرحلة جديدة بسبب اتساع هذه الظواهر أولاً ولأنها غريبة من تركيبة شعبنا وتقاليده كلها صبت في خانة تزايد المخاوف والقلق وساهمت في رسم عدم الاستقرار والأمان الشخصي والأسري بشكل عام وزعزعة منظومة القيم بشكل عام.
قصة الدكتور سارق الأحذية حركت عوامل كثيرة وهزّت وجدان الكثيرين حتى دون توفر معطيات كاملة حول ملابستها وتفاصيلها، فهذا الشخص وبحسب المعلومات التي تم الكشف عنها يحمل شهادة الدكتوراه في أنظمة المعلومات ودرجة الماجستير في هندسة الكمبيوتر. والسؤال المباشر والصريح هنا ما الذي يجعل شخص بهذه المواصفات يقدم على فعلته أو أفعاله؟؟
إنّ تفشي ظواهر غريبة في مجتمعنا حتى لو أنها لا تتقارن مع ما يحدث في مجتمعات عربية سواء بالحجم أو الأشكال أو حتى مدى التنظيم والتخطيط كما يحدث في عصابات الإجرام المنظم إلا أنها مؤشر خطير للانسياق الذي يقود إلى خلخلة قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي، أمام تفشّي معدلات البطالة وارتفاع نسب الفقر إلى درجة مخيفة، وبالمناسبة هذا (الدكتور) أفاد بعد اعتقاله بأنه أقدم على هذه السرقات نتيجة الفقر المدقع!!!
فأي مجتمع يمكن أن يتكون أمام حصار الاحتلال وحواجزه وأمام الفراغ والبطالة؟؟؟ وربما هذه البداية فقط لا قدر الله والمخفي أعظم.
لا يوجد إنسان عاقل يمكن أن يبرر السرقة باعتبارها آفة وإحدى الجرائم التي يجب مقاومتها واجتثاثها من مجتمعنا ولكن في نفس الوقت علينا معالجة ملفات الآف الخريجين الذين يحملون درجات أكاديمية متفاوتة ولا (حظ) لديهم ويعملون في مجالات لا تتفق مع الشهادات العلمية التي يحملونها بينما هناك من يعمل في وظائف هامة ولا يحمل أية شهادات إلا شهادة الميلاد!!! وربما تندرج هذه القصة أيضاً في باب الأسباب المرضية والنفسية أكثر منها حاجة اقتصادية تشبع فقط عن طريق السرقة والأفعال غير المبررة.
قضية دكتور الأحذية يجب أن تفتح أعيننا جيداً على مدى الانحدار والهلاك الذي وصلنا إليه بحيث أصبحت الأخلاقيات وإرساء دعائم مجتمع وطني ملتزم ونظيف تبتعد شيئاً فشيئاً ً والأمور مرشحة نحو المزيد من التدهور في ظل انقسام سياسي وغياب رقابة حقيقية حتى في البيت والشارع والمدرسة وعملية التربية تتعرض للشلل والقتل وتدمير ما تبقى من مثل وقيم لدينا، رقابتنا على أولادنا وتصرفاتهم ومتابعة مشاكلهم أولاً بأول وعدم إهمال أية تفاصيل صغيرة، وحاجتنا الماسة لمعالجة قضايا الفلتان الأخلاقي والقيمي بكل أشكالها أصبحت ضرورات في غاية الأهمية.
أما دكتور الأحذية عليه أن يتحمل ما اقترفت يداه فلا مبرر للسرقة والاحتيال حتى في أقسى ظروف القهر والحرمان والحل يكمن بإيجاد الفرص لأمثال هؤلاء. أما لجهاز الشرطة في رام الله والبيرة فلهم تحية وثناء رغم أن ما قاموا به ويقومون هو واجبهم ودورهم ويجب أن يبقى في رأس سلم الأولويات فالوطن كرامة والمواطن أغلى ما نملك.
بقلم عصام بكر
9/10/2007